الحديث بدأ عفويًا ثم استقر ودار عند سؤال واحد أثقل من أن يقال بخفة ودون وجع
"لماذا تأخر الزواج؟"
لم يكن السؤال تنظيرًا ولا حنينًا إلى زمن مضى كان وجعًا خفيفًا يتسلل بين الكلمات والنكات ويختبئ خلف تفكير وتأمل وضحكة ألم أطول مما تنبغي.
نحن لا نعاني من قلة الرغبة في الزواج ولا من جفاف العاطفة ولا من ضعف القيم. بالعكس فشبابنا يحملون في صدورهم شوقًا لبناء بيت دافئ بمسئولياته وفتياتنا يحلمن بشريك يكون سكنًا دائمًا وحانيًا. المشكلة هي في الطريق لا في الرغبة.
تأخّر الزواج في مجتمعنا لم يأتِ فجأة ولم يكن قرارًا فرديًّا بقدر ما هو نتيجةُ شبكة معقدة من العادات والتوقعات والتكاليف والخوف من الفشل. صرنا نحمّل ليلة واحدة ما لا تحتمله أعوام وربما ما لا طاقة لنا به! ونقيس قيمة الرجل بحجم قاعة الحفل وترتيباتها ووضع عائلته الاجتماعية لا بقدرة الشاب الفعلية وقيمة الفتاة وحجم الفرح والبهرجة والبوفيه واكسسواراته من تصوير و خلافه ثم نتساءل لماذا يهرب الشاب من الخطوة الأولى؟
الحل ليس في الإجبار ولا في التشهير ولا في القسوة على النفس وجلدها ولا في كيفية إقامة الحفل فكل له مقدرته ومكانته وفكره. الزواج في جوهره ميثاق رحمة لا عقد إكراه. لكنه أيضًا ليس شأنًا فرديًّا محضًا لأنه يبني لبنة المجتمع الأولى. بين الحرية المطلقة والتقييد الصارم مساحة ذكية يمكن أن نعمل فيها.
أول ما نحتاجه هو إعادة تعريف “البداية”. لماذا تخوّف الشاب من كلمة “مسؤولية” وكأنها سجن؟ المسؤولية في حقيقتها شرف لكنها تحتاج إلى تدرج عادل. ليس مطلوبًا أن يبدأ حياته مكتمل الأثاث وانما مكتمل النية. وليس مطلوبًا أن يملك كل شيء وإنما أن يملك القدرة على السعي.
ثم هناك مسألة التكاليف. نحن لا ننكر كرم المجتمع لكن الكرم حين يتحول إلى سباقٍ استعراضي ومزايدات يصبح عبئًا فكما فعل ويفعل ذاك فأنا يجب عليّ فعله فأنا لست اقل من غيري وهذه ليلة العمر وأن التزم ولو بما يشابه فعله وكأنه واجب لا كأنه ثقل على الظهر. لماذا لا نحتفي بالزواج نفسه لا بحفله؟
لماذا لا نُكرّم البساطة كما نُكرّم البذخ؟ فحين يتغير معيار الفخر يتغير سلوك الناس تلقائيًا.
ومن زاوية أخرى فلا يمكن أن نتجاهل دور التكافل المنظّم. في مجتمع يفيض بالخير يمكن أن تتحول المساعدات إلى جسور حقيقية منها قروض حسنة وصناديق دعم شفافة ومبادرات مجتمعية تتابع لا تكتفي بالصورة الأولى. دولتنا – بحمد الله – لم تقصّر في تسهيل السكن والعمل والدعم للمتزوجين - رغم أنه يراد النظر في مسألة الكفالة وتبسيط امرها اكثر من ذلك وفتح ابواب تسهل الأمر أكثر - و يبقى الدور الأجمل هو أن يتكاتف المجتمع مع هذه الجهود فيحوّل الامتيازات إلى ثقافة لا إلى أوراق وثقافة عُرف ثقيلة.
ولا ننسى جانب التأهيل فالزواج مهارة حياة و ليس حدثًا اجتماعيًا فحسب فكم من خلاف صغير كبر لأنه لم يُدرَّب أصحابه على الحوار؟ كم من بيت أهتز لأن الطرفين دخلاه بحلم بلا خطة ولا نظرة مستقبلية"من الطرفين الزوج والزوجة"؟ فلو جعلنا التثقيف الأسري جزءًا طبيعيًا من مرحلة ما قبل الزواج كما نهتم بالشهادة الجامعية والحصول على وظيفة لخفّفنا كثيرًا من المخاوف التي تؤخر الخطوة الأولى.
أما عن “العنوسة” – وهي كلمة قاسية – فربما آن لنا أن نستبدلها بلغة أرحم. ليس كل تأخر عنه فشلًا وليس كل استعجال نجاحًا إذ يحكمه الرزق والتوفيق من الله سبحانه وتعالى. لكن حين تتعطل الفرص بسبب تعقيدات يمكن حلّها فهنا يكون الخلل. الفتاة التي تنتظر شريكًا مناسبًا لا تحتاج إلى شفقة ولكنها تحتاج إلى بيئة عادلة تُسهل اللقاءات النظيفة والاختيارات الواعية بعيدًا عن التعقيد والمبالغة والقيود غير المبررة.
يقول أحد الشباب: “أنا لا أخاف الزواج أنا أخاف قائمة المتطلبات.” ضحكنا حينها وضحكت بوجع رغم كون الضحكة صادقة. حين يصبح الحلم مؤجلًا ومتأخرًا بسبب تفاصيل يمكن تعديلها فإننا نحتاج إلى مراجعة شجاعة لا إلى جدال رغم أننا لا زلنا نضع العراقيل و المواقف والعرف والحالة الاقتصادية أمامنا.
الحل الحقيقي يبدأ من داخل البيوت لأب ييسر ولا يُعسّر ولأم تعلّم ابنتها أن السعادة في العشرة قبل الذهب وشاب يثق أن الرزق مع السعي وفتاة تؤمن أن الشريك يُختار لدينه وقلبه قبل صورته. ثم يمتد الحل إلى المجتمع بتشجيع معلن للزواج المبكر الواعي واحتفاء بالنماذج الناجحة ونقد راق للمظاهر المتكلفة دون تجريح.
نحن لا نحتاج قوانين تجبر ولكن بيئة تغري بالخير وصلاح المجتمع وبناء الأسر. لا نحتاج أن نحاصر الشباب و أن نفتح لهم الأبواب. الزواج حين يُفهم على أنه سكن ورحمة لا استعراض ومنافسة فتعود إلى مكانه الطبيعي بداية الطريق لا قمته.
في نهاية المجلس الرمضاني الذي دار فيه ذلك النقاش والحديث قال أحدهم بهدوء: “لو صلح الأساس، استقامت الجدران.”
أظن أن الأساس هو البساطة والنية الصادقة والتكافل العاقل.
حين نعيد للزواج معناه الأول…
سنكتشف أن الحل لم يكن بعيدًا
فقد كان ينتظر أن نخفف عنه الزينة الزائدة
ليظهر جماله الحقيقي.



