12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا

خُلقنا خُفًّا فثِقَلًا في أرحام الأمهات تسعةً في أنين وحنين، تقاسم الحاملُ المحمولَ الغذاء مع ما تعاني من آهات، حتى إذا اكتملت مدتها أو قبلها أبصر جنينها الحياة كُرهًا بإحدى ثلاث: «طبيعية أو طلق صناعي أو قيصرية»، وقتها تصارع سكرات الموت، ولكن ما إن تسمع صيحات وليدها تغمرها الفرحة، تتأمل ملامحه بشوق وإشراقة وجه، ومتى رأت كماله وجماله نسيت متاعب تحملتها وصعابًا منها عانت لأيام.

ثم يعقبها سهرٌ بالليل تسقيه، تطعمه، تهيئ له المنام، ونهارًا تخدمه ترعاه، تؤثره على نفسها. «فجزى الله أمَّنا راحةً في الدنيا وثوابًا في الآخرة على أعمالها المتعددة المتواصلة: إرضاع، تربية، حقوق زوج، خدمات بيت، وخصوصية أعراضها متعبة وحالات مرضية تمر بها مكلفة».

الأب يسعى جاهدًا لتوفير حاجاته دون نقصان، يتعرض أثناءها لمواقف «يتمنى أمه لم تلده من قسوتها»: تجارة خاسرة، صعوبات عمل، طرد بلا مبرر أو خلاف، فإن تعرض لشيء عندها يجري البحث عن مصدر دخل سريع، حزينًا كئيبًا مشغول الفكر، يدرف دموعًا أخفاها مراعاةً لمشاعر من يعول أو بُعدًا عن شماتة ضعاف النفوس، يستجدي من «يقرضه» ليصرف حتى تُفرج.

يكبر الصغير، يُلحق بالمدارس، والداه يتابعانه لينجح بتفوق، تخرج، توظف، حان الزواج: «تدلل، ما هي مواصفات خطيبتك يا عديل الروح؟». تُطرق أبواب الفتيات بين رافضة وشارطة ومُحرِجة، إلى أن يتحقق المطلوب «بالقبول». اكتملت الترتيبات، حُددت ليلة الزفاف، كم هي جميلة بالقمر المحبوب، ساعتها حانت الأمنيات في انتظار قدوم الحفيد، ليتناوبان حمله يلاعبانه، وإن سافرا جاءا له بأثمن هدايا وثياب. «ما أعز من الولد إلا ابن الولد».

وإذا بهذا الشاب يدخل دائرة عقوق وقطيعة رحم وإهمال، لا مبالاة منه أو بإيعاز وتزيين من آخرين، فانقاد ووطئ على معروف أبويه بقدميه؛ لا يزورهما، لا يعودهما، لا يسأل عن حاجتهما، كأن بينه وبينهما عداوة أجيال توارثت وثأر. خابت الظنون، ضاع ربيع العمر، زادت الهموم، يبحثان عنه لا يجدانه، وإن قابلاه مصادفة أعرض بوجهه دونهما. وربما الوالدة انفصلت أو ترملت، تتعطل مصالحها ومعاملاتها في الدوائر الرسمية والأهلية، ولا من يقف جانبها سواه، ولكن أين هو؟ غاب، لا يُعرف له مكان.

{ستينية اتصلت بوحيدها ولأول مرة: ولدي تعبانة، خذني للمستشفى. ردَّ بجفاء: الشارع قريب منك، اطلعي، وسيارة توصلك، وحضر رقمها من سنوات ولا زال}.

تقدم بها العمر، نالت منها السنون: قلب، سكر، ضغط، ثقل سمع، فقد بصر، هشاشة عظام، جفّت الركبتان، تقوّس الظهر؛ لا زائر، لا متفقد، لا محدِّث إلا من جيران وفاعلي خير. نتساءل، نقول: أجزاء الإحسان العقوق والنسيان والحرمان، أم الوفاء والعطف والحنان؟

كن حذرًا محتاطًا لمستقبلك، عامل كما تحب أن تُعامل إذا كبرتَ.. الأيام حُبلى، الزمن دوّار، من ترك تُرك، من أودع أبويه أو أحدهما دار العجزة ونسيهما غدًا يُودَع ويُنسى. لا تصعد سلالم غير مثبتة فتسقط وتكسر أضلاعك.


error: المحتوي محمي