12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

طفولتي ورمضان صوت وحكاية في شويكة القطيف

عندما أستعيد رمضان في طفولتي، يعود بي الزمن إلى حي الشويكة في القطيف، حيث كان مسجد الدوالي  الذي تغير اسمه لاحقًا إلى مسجد الإمام الجواد (ع)  يجاور منزلنا ولا يزال طبعًا، وحيث كانت تلاوة القرآن الكريم تصدح من مكبرات الصوت مع كل عصر، فتملأ الزرانيق (الأزقة) سكينة، وتغمر البيوت بهدوء مهيب لا يشبهه شيء في بقية العام.

كان صوت التلاوة آنذاك إعلانًا غير مكتوب بأن النهار يمضي نحو ختامه، وأن لحظة الإفطار تقترب، وقبل المغرب بقليل، كنا نتجه إلى مسجد الشيخ علي المرهون في المسعودية، نقف مترقبين تلك اللحظة الفاصلة، وما إن يرتفع صوت المؤذن بكلمة «الله أكبر» حتى ننطلق مسرعين إلى المنزل، نحمل البشرى وكأننا أصحاب الاكتشاف، ندخل بفرح طفولي لنعلن، أذن المغرب.

وكنا نسمع أيضًا صوت مدفع رمضان، صوته يأتي من بعيد كأنه يصارع عوادي الزمن ليبقى حاضرًا في الذاكرة، لم نكن نراه دائمًا، لكن صداه كان يملأ الأفق، فيتوقف الحديث لحظة، وننصت لذلك الصوت الذي ارتبط في وجداننا بالشهر نفسه، كان المدفع علامة زمنية لا نعرف تفاصيلها، لكننا نعرف أنها تعني أن رمضان هنا.

لكن قبل ذلك كله، كانت لنا مهمة رمضانية لا تقل أهمية عن انتظار الأذان، كانت أمي رحمها الله حين تعد الإفطار، تعد معه أطباقًا للجيران، تأمرنا أن نحملها ونسلمها بيتًا بيتًا، لم يكن الأمر مجاملة عابرة، بل عادة متجذرة، طقسًا اجتماعيًا يصنع الألفة بين البيوت، عادة اختفت مع الوقت، وبقيت صورتها في الذاكرة أكثر دفئًا من أي طبق.

ولم نكن نشتري وجبات من المطاعم آنذاك، لا في الإفطار ولا في السحور، لم تكن المائدة تعرف أطباقًا جاهزة من خارج البيت، ولم يكن لطلب الطعام حضور في يومياتنا، كل ما على السفرة كان يعد في المنزل، أو يصلنا في أطباق دافئة من الجيران، تحمل معها رائحة بيوتهم وقلوبهم.

كانت مائدة الإفطار بسيطة في ظاهرها، عميقة في معناها، الثريد كان سيد المائدة، يعد بخبز التنور العربي وصالونة الخضار مع اللحم، وإلى جواره شوربة أظنها شوفان بالدجاج، وقيمات ذهبية، وأحيانًا هريس أو عصيد، لكن الطبق الرئيسي كان الثريد، والثريد حكاية أخرى.

وكانت مائدة الإفطار تجمع الأسرة كلها، لا يمكن أن يتغيب عنها أحد، كان حضور الجميع أمرًا مفروغًا منه، وكأن الجلوس حول السفرة جزء من طقوس الشهر لا يقل أهمية عن الصيام نفسه، نلتقي، ننتظر، ثم نبدأ معًا، في لحظة تشبه العهد اليومي الذي لا يكسر.

كنا نذهب إلى الخباز لشراء الخبز العربي، وكان الطلب عليه في رمضان يفوق الوصف، الانتظار يمتد أحيانًا لساعات حتى يحين دورنا، أتذكر على ما أظن أن ستة أقراص كانت بريال واحد، كان الحصول على الخبز بحد ذاته إنجازًا، وكأننا عدنا بغنيمة رمضانية ثمينة.

بعد الإفطار، كان يومنا الحقيقي يبدأ، نخرج إلى الزرانيق (الأزقة)، نلعب ونضحك، نشتري بمصروفنا القليل بعض المفرقعات التي كانت تتوفر بكثرة وفتها، ونتجول بين النخيل والحواري حتى منتصف الليل، كانت الأزقة ملعبنا المفتوح، وكانت ليالي رمضان أكثر أمانًا وبهجة.

وفي ذلك الوقت، يا حظ من كان يمتلك «سيكل» الدراجة الهوائية كانت كنزًا في نظرنا، يجتمع صاحبها مع أبناء الحي في شكل مجموعات، وينطلقون بها يجوبون الأحياء المجاورة، كانت تلك الأحياء تبدو لنا بعيدة جدًا عن حينا، وكأنها مدن أخرى، ومع ذلك كنا نصل إليها بفرح وانتصار، وعندما كبرنا، أدركنا أنها لم تكن تفصل بيننا وبينها سوى طريق أو شارع، لكن في طفولتنا كانت المسافات تكبر بقدر ما تكبر أحلامنا.

ومن طقوسنا المحببة أننا كنا نشتري مصباحًا يدويًا صغيرًا نسميه «تريك»، نتباهى به في جولتنا الليلية، كنا نستخدمه في تجولنا بين بساتين النخيل والحواري، نوجه ضوءه على الجدران وأغصان الأشجار، ونصنع به عوالم صغيرة من الظلال والخيال، وكنا أحيانًا نرافق المسحر في جولته بين المنازل، نمشي خلفه بخطوات متحمسة، نستمع إلى صوته وهو يطرق الأبواب وينادي الناس للسحور.

وكنا، ونحن ننتقل بين الحواري، نسمع أصوات مجالس الدرس وتلاوات القرآن تتردد من داخل البيوت، كانت تلك عادة رمضانية أصيلة في القطيف، حيث تفتح كثير من المنازل أبوابها في ليالي الشهر لتلاوة القرآن جماعة، كانت الأصوات تتداخل في هدوء الليل، فنمشي ونحن نصغي لها دون قصد، كأن الحي كله يتحول إلى مجلس واحد كبير يقرأ فيه الناس القرآن في وقت واحد.

كان في حينا مسحران، السيد كاظم القصاب الذي كان يصل إلى منزلنا، ومسحّر آخر هو جارنا حسن علي آل سليم، لكنه كان يبدأ مساره من جهة أخرى فلا يمر أمام بيتنا، كانت أصواتهم جزءًا من هوية الليل، لا يكتمل سكونه إلا بها، رأينا آخر جيل مارس مهمة المسحر كما عرفناها، كان ذلك الجيل هو الأخير الذي أدى هذه المهمة بشكلها القديم، بعفويتها وبساطتها وارتباطها الحقيقي بحياة الناس، أما اليوم، فمن يمارسها يفعل ذلك حفاظًا على العادة بوصفها إرثًا تراثيًا جميلًا، لا أكثر ولا أقل، بينما نحن ما زلنا نحتفظ بها في ذاكرتنا كما كانت.

نعود بعدها للمنزل لنتناول السحور، غالبًا ما كانت الشعيرية حاضرة، ومعها أطباق بسيطة أخرى، كانت تلك الأكلات تعرف بأنها «رمضانية»، لها مكانتها الخاصة في الشهر، قبل أن تتسلل لاحقًا إلى بقية أيام العام فتفقد شيئًا من خصوصيتها.

وكنا بعد السحور نعاود الخروج أحيانًا، أو نبقى ساهرين حتى تشرق الشمس، كنا نعد السهر حتى ذلك الوقت إنجازًا عظيمًا، بطولة في نظرنا، كان التعب حينها لذيذًا، لأننا نعيشه في إطار احتفال جماعي اسمه رمضان.

ومع تجوالنا في الأحياء، كانت مظاهر الحياة تتغير، ينتشر باعة سندويشات اللحم المشوي في الطرقات، وروائح الشواء تختلط بنسيم الليل، كان رمضان يعيد تشكيل الحي، يبدل إيقاعه، ويمنحه روحًا مختلفة.

اليوم، تغيرت أشياء كثيرة، اختفت بعض العادات، وتبدلت الوجوه، وخفتت الأصوات، لكن رمضان في الذاكرة ما زال كما هو، صوت قرآن في عصر الشويكة، خبز تنور ينتظر، أطباق تطرق بها أبواب الجيران، تلاوات تتسلل من البيوت المفتوحة، وطفل يحمل «تريك» يركض في الأزقة، ومجموعة من الصغار تتسابق بدراجاتها في طرقات الحي، يظنون أن العالم واسع جدًا، وأن الليل كله صديقهم، ذلك كان رمضان، كان مدرسة حياة، ودفتر ذكريات لا يطوى.


error: المحتوي محمي