13 , فبراير 2026

القطيف اليوم

بعد الثلاثة والخمسة

في اليوم الخامس بعد دفن أمّي صار البيت وكأنه ما صار شيء ولا كأنه فاقدين حشاشة الجوف…
وهذا اللي كسرني.

أول ثلاثة أيام كانت مثل ما يعرفها أهلنا أيام فاتحة الرجال:
رجال من الصبح إلى الظهر
ومن العصر إلى المغرب 
ثم مجلس ليلي قراءة فاتحة
وجوه وعبارات عزاء:
"عظّم الله أجوركم" و "الخلف براسكم".

والنساء لهم وقتهم ومكانهم وطقوسهم العزائية خمسة أيام الفاتحة 
والحزن يعم أهل العزاء 
واللبس الأسود “عُرفًا وحزنًا لأهله”.

بعدها…يخفّ كل شيء.
الناس ترجع لبيوتها و
اتصالات الجوال ورسائل العزاء تقلّ 
والبيت يبقى على حال التعب والحزن 
مثل واحد توّه انقطعت عنه الإمدادات
وصابه المرض وانّسى.

الوالد في اليوم الرابع قال لنا
وهو يلبس غترته:
— "أنا رايح الدوام".

حسن — أخوي الأصغر —
كان واقف عند الثلاجة 
ماسك كاسة ماء
كأنه ماسك شيء يتحجّج به.
قال بصوت نازل:
— "اليوم؟"
باقي تخلص فاتحة الحريم

الوالد ما رد.

وأنا قلت لنفسي:
الرجال لازم يعيش 
يغيّر الجو يخفّف عن نفسه.
بس شيء في صدري قال:
أمي توّها…
ما برد ترابها والحريم ما خلصوا الفاتحة بعدهم 
كان المفروض ياخذ إجازة.

مرت أسابيع.
كل شيء في البيت كان ماشي “صح” رغم الألم اللي في قلوبنا وجمرة الفقد
بس ماله طعم.

الغداء موجود 
بس ما فيه نفس تاكله.
البيت هو نفسه 
بس ما فيه ضحكة ونَفَس أمّي 
اللي كانت تقطع علينا هدرتنا
وتحوّلها لبهجة ووناسة.

حسن صار يطلع واجد ويرجع متأخر 
وإذا جلس ويّانا
جلس في زاوية الجلسة
كأنه ضيف.
ومرات يضحك ضحكة صغيرة
على شيء ما يضحّك.

فهمتها وقتها:
ما كان ضحك…
هذا حرقة ووجع.

في ذيك العصرية 
وأنا أرتّب بعض الأوراق
دخل الوالد وقال بهدوء:
— «باقول ليكم شيء…
لا تصير السالفة
وتسمعون من برا
قبل لا تسمعونها مني».

قلت: «خير».
قال:
— «أفكّر أتزوج».

الجملة نزلت عليّ
مثل حجر صغير …
بس سوت دوّامة كبيرة.

ما قال اسمها.
بس أنا عرفت
قبل لا يكمل.
لأن الاسم كان يدور حولنا من أيام:
في سؤال فلانة 
وفي نظرة علانة 
وفي "الله يعوضكم"
اللي صارت تنقال
بنبرة فيها زيادة معنى مقصود.

قالها الوالد أخيرًا:
— "أخت أمّكم…
خالتكم الصغيرة".

سكتنا.

أنا قلت:
— "هذا حقك يبه".
وقلتها بسرعة…
قبل لا يطلع اللي داخلي.

أما حسن 
ما قال شيء.
عينه راحت بعيد 
كأنه يشوف شيء على الجدار
مو موجود.

الخبر ما احتاج يومين
لين صار حديث بين الأهل يتناقلونه.
قروبات العائلة اشتغلت 
والكلام صار يطلع من الواتساب
للأصدقاء وغيرهم وعلى الخاص 
ثم يرجع لينا
بصيغة أهدأ…
لكن أثقل.

عمّاتي وزّعوا الأدوار:
من هي اللي تجهّز
ومن هي اللي تكلّم 
ومن هي اللي “تراضي الأولاد” 
ومن هي اللي تدافع إذا أحد تكلّم.

الغريب؟
الناس ما كانوا ضد الزواج.
الناس كانوا ضد التوقيت
اللي في رؤوسهم التوقيت اللي  بعده ما برّد فقدنا .

في مجلس عمّي 
سمعت واحد يقول للوالد
وهو يسلّم عليه:
— «زين… البيت لازم له نفس وخير البر عاجله والحي أبقى وانا اخوك».

وسمعت الثاني يقول لحسن
وهو يضحك:
— "بسطوها ولا تصعبوها…
ترى أبوك رجال 
مو تمثال".

الكلمة الأخيرة ظلت تدور في رأس حسن:
تمثال.

لأن هذا بالضبط
اللي كانوا يبغونه:
أب ثابت وواقف و
ما يتحرك…
عشان ذكرى الأم تبقى ويموت على ذكراها.

يوم عقد الزواج
اختاروا مكان بسيط 
قاعة صغيرة جنب حسينية.
غريب كيف نفس الأبواب
اللي دخلنا منها العزاء والفاتحة
صرنا ندخل منها “للفرح”.

حسن ما جاء من البداية.
جاء متأخر 
ووجهه محمّر 
وعينه تدور في المكان
كأنه يدور على مخرج.

سحبني على جنب عند الباب
وبدون مقدمات قال:
— "كلهم يتكلمون عن حقه…
بس ما أحد يتكلم عن حقنا".

قلت: "ويش تبغى؟ نمنعه؟"
قال:
— "لا.
بس أبغى أفهم:
ليش صرنا إحنا المذنبين
إذا تألمنا وتوجعنا؟

تنفّس بعمق ثم قال:
— "من يومين وأنا أسمع نفس الكلام يتكرر…
مو من شخص واحد.
في القروبات 
وفي جلساتنا وجمعاتنا
وحتى إذا سلمنا على أحد .

قلت: "ويش يقولون؟"

قال وهو يقلّد النبرة اللي حفظها:
— «يقولون:
خلصوا الموضوع بسرعة 
لا تخلوه لحاله  
ترى اخوتكم الصغار يحتاجون أحد يلمّهم ويحن عليهم
وبعدين…
البنت أمانة عند أختها 
وهذي خالتهم».

سكت شوي ثم قال بمرارة:
— "كأن الموضوع ترتيب أغراض 
مو بيت فيه ناس
توهم فاقدين أمهم".

قلت: "يمكن نيتهم طيبة".
قال بسرعة:
— "يمكن…
بس الطيبة إذا ما حسبت مشاعرنا 
تصير قدر ضغط".

وكمل كلامه وهو يطالع الناس داخل القاعة:
— "هم يبغون أبوي يعيش…
بس يبغوننا إحنا نبلعها ونفرح.
إذا ما فرحنا
صرنا عاقين".

دخلنا.

أبوي كان جالس
وجهه متوتر
وهو يحاول يصير “عادي”.
مو عارف كيف يفرح
وهو شايف عيوننا.

بعد ساعة 
أخذني على جنب وقال:
— "حسن زعلان؟"

قلت: "مو زعلان… موجوع".
قال:
— «أنا موجوع مثلك…
بس هذي حياة ولازم نكملها ونعيشها.
الحزن في القلب يا ولدي 
مو معنى هذا
إننا ما نعيش ونفرح.
أنا مسؤول عن الجميع".

قلت: "بس إحنا بعد… مو آلات".
سكت.
ثم قال بصوت نازل 
كأنه يعترف لأول مرة:
— "أنا ما أبيكم تحسبوني خنت أمّكم…
بس أنا…
ما أعرف أعيش وحدي"

وقتها فهمت المشكلة كلها.
مو زواج وبس.

كل واحد فينا
كان يطلب من الثاني
شيء مستحيل.

الأب يطلب من أولاده
يتصرفون كأن الحزن انتهى 
والأولاد يطلبون منه
يتصرف كأن الحياة انتهت.

والمجتمع واقف بالوسط
يضغط على الاثنين 
فإذا الأب تأخر قالوا: "مسكين".
وإذا استعجل وتزوج قالوا: "ما وفّى وما صدق على". 
وإذا الولد تألم وتوجع إذا تزوج ابوه قالوا: "عقوق".
وإذا طنّش وجامل وهو مكسور 
قالوا: "ولد بار".

وهنا…
صار الشيء اللي ما كان محسوب.

في اليوم التالي 
دخل أبوي علينا
مو بهدوء هالمرة.
دخل ووقف.
ما جلس.

قال بصوت واضح:
— "أنا ما راح أعتذر عن حقي
وأخليه يموت".

سكتنا.

قالها كأنه يقفل باب 
مو كأنه يفتح حوار.

حسن تقدم خطوة وقال:
— "ولا إحنا راح نعتذر عن وجعنا".

أبوي دار له مباشرة.
لأول مرة من وفاة أمي 
نظره كان خالي من التهدئة.

— "وجعكم مفهوم…
بس مو مبرر
إنكم تحاسبوني
كأني سويت جريمة".

حسن رد بسرعة
صوته كان مكسور
أكثر مما هو غاضب:
— "وأنا مو مجرم
عشان أنجبر وأفرح".

السكوت اللي نزل بعدها
ما كان سكوت احترام…
كان سكوت واحد منكسر.

قلت وأنا أحاول أكون
الوسيط اللي تعودت عليه العائلة:
— "يمكن المشكلة مو في القرار…
المشكلة إننا دخلنا فيه
وإحنا مو جاهزين".

أبوي هز رأسه وقال:
— "أنا ما أقدر أنتظر جاهزية أحد.
أنا انتظرت واجد 
واللي انتظرته مو شوي".

حسن قال الجملة
اللي كان يهرب منها:
— "وأمي؟
كانت تنتظر بعد…
وانت ما انتظرتها".

الجملة ما كانت اتهامًا.
كانت حقيقة طالعة متأخرة.

أبوي ما رد.
جلس أخيرًا.
مسح وجهه بيده وقال:
— "أنا ما كنت أعرف
أكون غير اللي كنت عليه".

انتهى الكلام بلا نتيجة.
بدون اتفاق.
ولا تراجع.
ولا تصالح.

كل واحد انسحب بطريقته:
الوالد راح غرفته 
وحسن طلع برا البيت 
وأنا بقيت في الصالة 
أناظر المكان
اللي كانت تجلس فيه أمي 
وأفهم — ولو متأخر شوي —
أن بعض الألم والرحيل والفقد
ما يتعالج بزواج 
ولا يحتمل بسكوت ينسكت عنه.

مرت الأيام.

علاقتنا ما انهارت…
لكنها ما رجعت مثل قبل.

نضحك أحيانًا 
و نجتمع أحيانًا 
ونعيش ونأدي أدوارنا كاملة
قدام الناس.

لكن في داخلنا 
كل واحد فينا شايل سؤال
ما لقى له جواب:

هل كان يحق له يختار نفسه؟
إيه.

وهل كان يحق لينا نتوجع و نتألم؟
بعد إيه.

المشكلة أن الحقين اصطدموا 
ولا أحد علمنا
كيف نعيش
بعد الاصطدام.

آخر مرة تكلمت مع حسن عن الموضوع 
قال لي بهدوء واحد تعبان:
— "يمكن ما نحتاج حل…
يمكن نحتاج نعترف
إن الشي ما انحل".

وهذا
كان أقسى من أي نهاية.

لأن بعض الأسر والعوائل
ما تنهدم
ولا تترك…
تبقى واقفة 
وفيها شق صغير 
يكبر مع الوقت 
كل ما تظاهرنا
إنه مو موجود.

وإلى اليوم 
ما أدري
اللي سويناه كان نُضج لو شي ثاني ؟
ولا كان تعب
لبس ثوب الحكمة
عشان يعيش.

والأصعب؟
إن كل واحد فينا
مقتنع إنه كان على حق…
بس خسر شي
ما نعرف ويش نسميه ونقوله.


error: المحتوي محمي