12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

ما أعظمها من رحمة حينما تقول لله: «إن أخذتني أخذتك»

المناجاة الشعبانية وما أعظمه من دعاء عظيم، ولعلنا لا نجد جزءًا منه دون أن تستوقفنا مضامينه وأبعاده العبادية والعقدية، وتستوقفني هذه العبارة: «إِلهِي إِنْ أَخَذْتَنِي بِجُرْمِي أَخَذْتُكَ بِعَفْوِكَ، وَإِنْ أَخَذْتَنِي بِذُنُوبِي أَخَذْتُكَ بِمَغْفِرَتِكَ».

فمن أنا حتى آخذ الله كما يؤاخذني؟
الأخذ هو العقوبة ممن يملك القوة والقدرة: ﴿إِنَّا أَخَذْنَاهُم أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾، ويكون بعد معاصٍ وتكذيب لآيات الله: ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا﴾، فالأخذ هو عقوبة المقتدر، ولكننا نجد هنا متسعًا بين الأخذ وطلب العفو، مما يعني أن هناك قرارًا للعقوبة بالجرم، لكني أطلب العفو ممن يملك الرحمة كما يملك القوة، فهناك إمهال.

إذن نتجه لمفهوم أخف درجة بقولنا: إلهي إن أخذتني، أي حاسبتني وقررت العقوبة عليَّ بجرمي.

أما الجرم فهو كل عمل قبيح يحمل شرًّا وتعديًا واعتداءً، وكل جرم عليه عقوبة لظهوره وتحقق وجوده، ولم يعد مخفيًا أو غائبًا عن الآخرين، مما يقتضي العقوبة لعدالة الله. ومع تحقق وجوده واستحقاق العقوبة، فاختيار لفظة «جرم» له من البعد النفسي بطلب الرحمة والرأفة، ولما للجرم من عقوبة لم تُستعمل لفظة «ذنب»، فالذنب إذا كان تجاه الله فيمكن للعبد طلب المغفرة منه، وإن كان عظيمًا، فبعض الذنوب تُبعد الإنسان عن الله، لكن طريق الرجوع هو بالاستغفار وطلب الرحمة: ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾.

إذن استعمال «الجرم» يعني أن الداعي ذهب إلى أبعد حد من استحقاق العقوبة لذنب أو معصية، وجعلهما في درجة الجرم، ولرحمة الله وعدالته فتوجّه له.

بل نجد جمال الاستعمال لمقابلة لفظ «جرم» بلفظ «عفو»، ولم تُستعمل لفظة «غفران»، لأن الجريمة قد عُرفت وعُلمت بين الناس، فلا يمكن سترها، بل المناسب لها هو العفو عن العقوبة. وأما آثار الجريمة فقد ظهرت فلا يمكن إخفاؤها، بل تكون عفوًا. بينما مقابلة الذنب بالمغفرة — وهو العفو والستر — ناسب أن يكون في الذنب مغفرة، فقد يكون ذنبًا بين الإنسان ونفسه ولم يطّلع عليه إلا الله، فهنا يجمل استعمال «ذنب» أو «معصية»، فهما بحاجة إلى عفو وستر.

وفي جهة أخرى نجد مقابلات في لفظة «أخذتني» و«أخذتك»، فهي مختلفة المعاني لما لها من ارتباط بما يناسبها، وليس لها معنى لفظي واحد؛ فأخذ الله محاسبته وعدله وعقابه، بينما لا يملك الإنسان أخذًا تجاه الباري سبحانه، بل هو ضعيف لا يقدر على شيء، فلذا نحتاج إلى المصير إلى معنى آخر مناسب لمتعلّقه؛ فأخذتك بعفوك لأنك كتبت على نفسك الرحمة، فيمكنني أن أتجرأ بطلب إلزامك بما كتبت على نفسك بها، وهي وإن مثّلت جرأة على الله بمثل هذا اللفظ، لكن الإنسان إذا وجد أن لا ملجأ من كسب العفو والغفران إلا بالتودد والاستعطاف لما يملكه القادر سبحانه، فسوف يتشبث بكل إجراء وضعه الله على نفسه.

وأخيرًا فإن المقابلة بـ«أخذتك» لا تستقيم بنفس معنى «أحاسبك» إلا على نحو الاستعطاف وفقدان أي طريق لكسب العفو.


error: المحتوي محمي