تتمحور مهام الأخصائي الاجتماعي في المستشفى حول تقديم الدعم النفسي والاجتماعي للمرضى وذويهم، وتنسيق الرعاية، وحلّ المشكلات التي تعوق العلاج. ويتمثل ذلك في تقييم احتياجاتهم، وتقديم الإرشاد والمشورة لمساعدتهم على التكيّف مع المرض وتقليل القلق والخوف.
هكذا أجاب الأخصائي الاجتماعي عبد الله عن سؤال أحد الحضور في المنتدى الشهري الذي تقيمه الجمعية الاجتماعية في إحدى البلدان العربية حول دور الأخصائي الاجتماعي في المستشفيات.
مقدم المنتدى:
نشكرك على هذا الإيضاح للدور الكبير الذي تقومون به.
هل من سؤال آخر للأستاذ؟
رفع أحد الحضور يده، فالتفت المقدم وأشار إليه أن يتفضل بالسؤال.
السائل:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أشكركم على هذا اللقاء الرائع، ونشكر الأستاذ على المعلومات التي طرحها. لدي سؤال.
ابتسم عبد الله ابتسامة صادقة، وردّ التحية قائلاً: تفضل.
السائل:
أكيد أن هناك مواقف كثيرة مرّت عليك خلال عملك، ما هو الموقف الذي أثّر فيك؟ وكيف تعاملت معه؟
وشكرًا لك.
رفع عبد الله يده ومسح جبينه، وهو ينظر إلى الجمهور، وكأنه فتح بابًا أغلقه منذ سنوات لصعوبة الموقف، ثم رفع رأسه ووجّه نظره إلى صاحب السؤال قائلاً:
نعم، هناك مواقف كثيرة، ولكن أصعبها تلك التي كانت لشابٍ فقد أعزّ الناس لديه. سأخبركم بها، وإن كانت تفاصيلها توجعني، فلا بأس لما لها من أهمية كبيرة، وأتمنى أن يسعفني الوقت لسردها.
نظر مقدم المنتدى إلى الساعة وقال:
لقد شارف الوقت على الانتهاء، فلتكن هذه القصة ختام منتدانا لهذه الليلة. كلّنا آذانٌ صاغية لك، أستاذنا الفاضل، تفضل.
عبد الله:
أشكرك أخي الكريم، وأشكر الحضور على استماعهم.
هذه الحادثة حصلت قبل نحو خمس سنوات. بينما كنت في مكتبي منهمكًا في بعض الأعمال، جاءني اتصال من قسم العناية المركزة يطلب حضوري فورًا للتحدث مع ذوي مريضة فارقت الحياة.
خرجت بسرعة أهيّئ بعض العبارات التي تُقال في مثل هذه المواقف، حاملاً في صدري كلماتٍ عاجزة عن احتواء اللحظة، ومستحضرًا معاني الصبر والتسليم لقضاء الله وقدره. حتى وصلت إلى القسم، فسمعت الصراخ والبكاء والعويل — وهو أمر طبيعي، فالفقد لا يعرف المنطق ولا يخضع للعقل.
استقبلني الطبيب المشرف وأخذني إلى الغرفة. هناك وجدت شابين، وامرأة تجلس مستندةً إلى الجدار، مغطاة الرأس، تبكي بشدة وتردد:
لماذا رحلتِ عني؟ أنتِ أمي… من لي بعدك؟
وبجانبها شاب يحاول تهدئتها، ودموعه تسيل على خديه، كاشفةً انكسار قلبه، لكنه تماسك ليواسي أخته.
دخلت مع الطبيب، سلّمت عليهم، ووجّهت حديثي إلى أكبرهم سنًا، الذي كان يجلس واضعًا يديه على رأسه ودموعه تتساقط. عرّفت بنفسي، وبدأت أذكّره بالصبر عند الشدة. اقتربت وجلست بجانبه وسألته:
هل لي أن أعرف اسمك؟ وهل أنتم أبناؤها؟
رفع رأسه، وأخرج منديلًا يمسح دموعه، وقال بصوت مبحوح:
اليوم فقدنا أمّنا مرة أخرى.
ارتفعت أصوات البكاء من حوله، فدهشت من كلامه وكررت السؤال.
قال بصوت خافت، وكأنه يتحدث إلى نفسه، تخنقه العبرة:
من الصعب أن أصدق أنها ترحل عنا مرة أخرى. لا أتصور أن يكون البيت خاليًا منها. من يستقبلني حين أرجع من العمل ويقول لي بصوت دافئ مليء بالحنان والعطف: كيف كان عملك اليوم؟ هل أحضر لك الغداء؟
وإذا جاء العيد، كيف لي ألا أرى فرحتها، وأقبّل رأسها، وأقول لها: كل عام وأنتِ بألف خير؟
صمت قليلًا، ثم أجهش بالبكاء…
حاولت مواساته وتخفيف حزنه، وقلت:
رحمها الله بواسع رحمته. فقد الأم صعب، لكن هذه مشيئة الله، وعلينا بالرضا والترحّم عليها.
رفع رأسه ونظر إلى الأعلى، وكأنه يخترق الجدران بعين قلبه المفجوع، وردد:
إنها معك الآن يا أمي.
قلت له: من هي؟
ردّ، وما يزال ينظر إلى الأعلى بعينٍ احمرّت من كثرة البكاء:
إنها أختي الكبيرة…
دهشت مما سمعت، وقلت: هل هي أختك؟
فقال بعد أن أدار نظره نحوي:
هي أختي التي عوّضتنا حنان الأم والأب منذ فقدناهما ونحن صغار. كرّست حياتها لتلبية احتياجاتنا، وتخلّت عن سعادتها لتُسعدنا، وعن تكوين أسرتها لتكون هي أسرتنا وربّتها.
والآن… فقدنا كل شيء بفقدها، فقدنا أمّنا مرة أخرى.
ظلّ يتحدث، وأنا صامت من شدّة التأثر، ولم أستطع منع دموعي. لم أتوقع أن تترك هذه الزيارة أثرًا عميقًا في نفسي. بقيت كلماته عالقة في ذهني، ورسمت صورة تلك الأخت التي كرّست حياتها لحفظ ما تبقّى من دفء العائلة.
وبعد أن اطمأنّت على مستقبل إخوتها، وكأنها أتمّت وصية أمها في رعايتهم، رحلت بظلّها الخفيف بعد سنوات من تحمّل المسؤولية. تركت خلفها إخوتها، وعادت إلى قلوبهم مرارة الفقد من جديد.
قطع مقدم المنتدى حديث الأخصائي بعدما تأثر الحضور قائلاً:
إنها قصة ذات دلالات عميقة تجسّد معنى التضحية في سبيل الأخوة.
شكرًا لك أستاذ عبد الله على هذه الجلسة الحوارية الهادفة المفعمة بالعبر والدروس.



