دهليز
يثار بين حين وآخر جدلٌ معماري حول حضور الانحناءات والتقوّسات في المباني التقليدية ، هل كانت خياراً واعياً يعكس فهماً للحركة والرؤية والجمال؟ أم أنها نادرة الحدوث ولم تكن سمةً أصيلة في البناء؟ هذا النقاش على أهميته ، ( دار بيني وبين مجموعة مهندسين ، تميزت بالحوار والتحليل) ، يكشف في جوهره عن حاجةٍ لقراءة العمارة التقليدية المحلية ، قراءة تحليلية تتجاوز الانطباع البصري إلى فهمٍ أعمق للمنطق الإنشائي والبيئي والجمالي الذي حكم تلك المباني.
العتبة الأولى
في اعتقادي أن العمارة التقليدية لم تكن عمارة عشوائية، بل كانت نتاج خبرة تراكمية طويلة، صاغها الأستاذ ( البناء) عبر التجربة والممارسة والملاحظة ، ومن هنا، فإن التقوّس والانحناءات الذي نراه في المباني ، لا يأتي بوصفه ترفاً شكلياً ، أو عشوائياً ( هو چدي ) ، بل بوصفه حلاً معمارياً يجمع بين عدة أمور أهمها :
المنفعة والاقتصاد والجاذبية البصرية .
العتبة الثانية
⁃ التقوّس بوصفه ضرورة إنشائية.
في كثير من البيئات التقليدية، خاصة تلك التي تعتمد على الطين أو الحجر، كان الخط المنحني أكثر قدرة على توزيع الأحمال من الزوايا الحادة ، فالقوس القمري واللوزي ، على سبيل المثال، يسمح بانتقال القوى إلى الجانبين بسلاسة، مما يقلل من احتمالات التشقق أو الانهيار، ويمنح الفتحات اتساعاً دون الحاجة إلى عوارض ( جسور) خشبية كبيرة ، لذلك لم يكن غريباً أن تظهر التقوّسات في الدهاليز و المداخل، والأروقة، وتظهر بشكل واضح في الأعمدة ، كما أن معالجة الزوايا الخارجية بشيءٍ من الاستدارة لم تكن دائمًا خياراً جمالياً خالصاً ، إذ تساعد هذه المعالجة على تقليل تآكل الحواف بفعل الرياح والرطوبة، وتحدّ من اصطدام المارة أو الدواب في الممرات الضيقة، وهي قراءة تؤكد أن الإنسان محور التفكير المعماري وهي مشاهدة واقعية من خلال زياراتنا للمباني التقليدية بالمملكة .
العتبة الثالثة
البعد البصري ليونة المشهد المعماري.
الخط المستقيم يبعث على الحدة و الصرامة، بينما يمنح الخط المنحني العين شعوراً بالانسياب والهدوء ، ومن هنا، فإن إدخال التقوّسات في مواضع مدروسة — كالأقواس القمرية أو مداخل البيوت — يسهم في كسر حدّة الكتل الصمّاء، ويخلق انتقالاً بصرياً ناعماً بين الفراغات.
العتبة الرابعة
ماعلاقة التوازن بين المنحنى والاستقامة ! ؟
العلاقة بينهما هو ما يمنح المبنى حيويته ، فالإفراط في أيٍّ منهما يفضي إلى رتابة أو اضطراب ، أما حين يُوظَّف التقوّس بوعي، فإنه يتحول إلى عنصرٍ انشائي وجمالي سيشكل اتجاه مريح معمارياً ، لأنه يرفع القيمة الجمالية دون أن يثقل البناء بتعقيد إنشائي غير مبرر.
العتبة الخامسة
التقوّسات في سياق العمارة التقليدية.
عند تأمل بعض نماذج العمارة في واحة القطيف، يمكن ملاحظة حضور الانحناء في عناصر محددة ،في الأقواس التي تعلو المداخل، والمجالس والمساجد ، وفي كثيرمن الأعمدة، وأحياناً في الزوايا الخارجية للمباني ، الملاصقة للطرقات مباشرة ، هذه التفاصيل و الشواهد لا تعني أن التقوّس كان قاعدة عامة، لكنه لم يكن غائباً أيضاً ، بل ظهر حيث اقتضت الحاجة أو استدعى الذوق ، ومن المهم هنا التمييز بين الندرة والعدم ، فكون العنصر غير شائع لا ينفي وجوده، بل قد يدل على أنه استُخدم بحكمة، بعيداً عن التكرار الذي يفقده قيمته التعبيرية.
العتبة الخامسة
بين الحرفي والذائقة.
إتقان التقوّس يتطلب مهارة أعلى من تشكيل المربع والمستطيل و الخط المستقيم، خاصة في مواد البناء التقليدية ، لذلك فإن ظهوره غالباً ما يشير إلى حرفي متمكن ومجتمع قادر على دعم هذا المستوى من العمل ، فالتفاصيل المعمارية، في نهاية المطاف، مرآةٌ للتاريخ وللقوة الاقتصادية والثقافية للمجتمع .
العتبة السادسة
قراءة معاصرة.
الدرس الأهم الذي يمكن أن تستلهمه العمارة الحديثة ليس مجرد إعادة إنتاج الأقواس أو الانحناءات، بل فهم فلسفتها ودلالتها ، ووضع العنصر المناسب في موضعه المناسب ، فالتقوّس ليس زينة تُضاف، بل قرار تصميمي ينبغي أن يخدم بالدرجة الأولى الإنسان والحركة والضوء والمشهد العام ، وإن المبنى الذي يحسن توظيف الأقواس القمرية أو المداخل المنحنية يحقق ربحاً مزدوجاً ، ربحاً وظيفياً يعزز الراحة والمتانة، وربحاً جمالياً يثري التجربة البصرية ويمنح المكان ذاكرةً لا تُنسى.
الخلوة
ليست المسألة إذن في إثبات وجود التقوّسات أو نفيها، بل في فهم منطقها ، فالعمارة التقليدية تعلمنا أن الجمال الحقيقي لا ينفصل عن حاجة الإنسان، وأن العنصر المعماري ينجح عندما يولد من رحم الوظيفة لا من رغبة الزخرفة وحدها ، وحين توضع التقوّسات في أماكنها الصحيحة — عند قوسٍ يحتضن الداخل، أو زاويةٍ تلين للمارة، أو مدخلٍ يرحّب بالضوء — فإنها تتحول من مجرد انحناءٍ في الجدار إلى انحناءٍ في ذاكرة المكان، يربط بين صلابة البناء ورقّة الشعور .





