في المجتمعات الصغيرة لا تُختزل التاريخ في الوقائع الكبرى وحدها، لكن يتشكل أيضًا من سير رجال عاشوا بين الناس ولمسوا حياتهم اليومية في لحظات الفرح والحزن والعمل والتطوع والوداع، هؤلاء لا تصنعهم المناصب ولا تخلدهم العناوين، لكنهم يرسخون في الذاكرة بوصفهم جزءًا أصيلًا من نسيج الأرض والزمن، وفي بلدي القديح الحبيبة تزخر الذاكرة بأسماء مثل الحاج علي بن محمد حسن الخويلدي، بوصفه نموذجًا للرجل الذي عاش للتطوع والخدمة التي بقي أثرها حتى الآن.
وُلد الحاج علي في بلدة القديح عام 1345هـ في زمن كانت فيه البساطة عنوان الحياة وكان العمل اليدوي ركيزة الوجود اليومي ومقياسًا لقيمة الإنسان في محيطه وبيئته، لم ينل حظًا من التعليم النظامي، غير أن مسيرته العملية شكلت مدرسة قائمة بذاتها حيث تعلم معنى الصبر وأدرك مبكرًا أن الانتماء الحقيقي للمكان يكون عبر خدمته.
تنقّل في سكنه داخل البلدة فكانت بداياته في حي السدرة قبل أن يستقر في منزله المعروف في الفريق «الغربي» بمحاذاة بيوت وجيران طيبين، هناك عاش حياة هادئة متداخلة مع أهل بلده دون حواجز أو تكلف كما هي حال أبناء القرى حين تكون البيوت امتدادًا لبعضها والناس شركاء في القدر والمصير.
ارتبطت سنواته الأولى بأعمال شاقة لا يقبل بها إلا من امتلك جسدًا قويًا ونفسًا محتسبة، فقد امتهن حفر القبور وخدمة المقابر وشارك في تجهيزها وتسقيفها بجذوع النخل فيما يُعرف محليًا «التسجين»، وهو عمل يتطلب جهدًا بدنيًا كبيرًا وهدوءًا نفسيًا في مواجهة الموت وإيمانًا عميقًا بقيمة الخدمة في لحظات الفقد، ومارس هذه المهنة مع مجموعة من رجال القديح المعروفين بالقوة والجلد في زمن كانت فيه هذه الأعمال تؤدى بروح جماعية بعيدًا عن الأجر المادي أو الظهور الاجتماعي.
ويتولى «المسجّن» تسجين الجذوع بتقطيعها وفلقها لإنتاج قوائم تُستعمل في تسقيف المنازل وبناء العرشان وصناعة أدوات أخرى، وبينما استُخدمت الجذوع الهشة وقودًا بما يعكس مكانة النخلة في التراث الخليجي، فقد كانت جذوع النخيل ركيزة في البناء والصناعات التقليدية قديمًا واستخدمت في تشييد البيوت وصناعة أدوات معيشية متنوعة.
برز الحاج علي إلى جانب ذلك في مجال الطبخ حيث عُرف طباخًا ماهرًا في الأعراس والمناسبات الاجتماعية في القطيف متنقلًا بين القرى حاضرًا في أفراح الناس ومشاركًا لهم لحظاتهم السعيدة بعمل يتطلب مهارة وتنظيمًا وجهدًا طويل الساعات، كما عمل طباخًا في حملات الحج والعمرة حيث تتداخل الخدمة المهنية مع البعد الديني ويتحول إعداد الطعام إلى فعل تعبدي يخدم زوار بيت الله الحرام والمدينة المنورة سلام الله على ساكنها.
وفي مرحلة لاحقة من حياته التحق بالعمل في بلدية القديح لتكون هذه الخطوة محطة استقرار نسبي في مسيرته، أدى مهامه الوظيفية بروح المسؤولية وتنقل بين أعمال مختلفة منها الحراسة في مرافق البلدية دون أن يرى في طبيعة العمل ما يمس كرامته إذ ظل ينظر إلى الوظيفة بوصفها أمانة وخدمة عامة لا وسيلة للمكانة أو الوجاهة.
حضر الحاج علي في المشهد الديني والاجتماعي للبلدة حضورًا ثابتًا، لازم الحسينية الغربية ولا سيما في مواسم عاشوراء حيث تولى الطبخ للمأتم منذ اليوم الأول من العشرة حتى ما بعدها، وقد كانت تلك الممارسة سنوية تعكس التزامًا طويل الأمد بخدمة الشعائر الحسينية، وكان من رواد مسجد السدرة خاصة في أيام الجمعة وشهر رمضان وفق ما تسمح به ظروف عمله.
اتسمت شخصيته بالبشاشة وروح الدعابة فكان قريبًا من الناس حسن المعشر كريم الخلق يجمع بين الجدية في العمل وخفة الظل في المجالس، تزوج من سلمى بنت حسن سلمان الشويكي وأنجب خمسة أبناء وأربع بنات شكلوا امتدادًا طبيعيًا لقيمه وحياته، وفي بيت عُرف بالاستقرار والتماسك والولاء لآل البيت عليهم السلام.
لم تخلُ سنواته الأخيرة من الابتلاءات الصحية إذ فقد البصر في إحدى عينيه إثر جلطة أصابته ثم ابتُلي بالفشل الكلوي قبل وفاته بنحو عامين، تحمل خلالها المرض بصبر ورضا حتى وافته المنية يوم الاثنين الرابع من شهر صفر عام 1436هـ، برحيل الحاج علي الخويلدي فقدت القديح واحدًا من رجالها الذين لم يسعوا إلى الظهور لكنهم أسهموا في تثبيت دعائم الحياة الاجتماعية بصمت وبقي اسمه حاضرًا في الذاكرة ومرتبطًا بالمقابر التي خدمها والمآتم التي عمل فيها والبيوت التي عرفته والدعوات التي ترددها الألسن حينما يُذكر.
إن توثيق سيرة الحاج الخويلدي هو توثيق لمرحلة كاملة من تاريخ البلدة ولنَماذج بشرية صنعت حضورها بالفعل لا بالقول وأسهمت في بناء المجتمع من مواقع متواضعة لكنها عميقة الأثر، رحم الله من عاش خادمًا للناس وبقي ذكره شاهدًا على معنى العطاء الصامت في تاريخ القديح.








