يمكن لأي إنسان أن يبدأ العدّ من واحد إلى مليون. يستطيع أن يجلس الساعات، ويستهلك صوته ونَفَسه، ويبدّد أيامه في تكرار الأرقام حتى يصل إلى النهاية. لا شيء يمنعه من ذلك، لكن لا شيء يمنحه ذلك أيضًا. فالنتيجة رقم كبير لا يحمل معنى، وتعب طويل بلا حصاد. والسؤال هنا ليس: هل تستطيع؟ بل: ما الجدوى من الجهد الذي لا يبني ولا يضيف؟
هذه الفكرة تكشف جانبًا عميقًا من واقعنا الاجتماعي. كثير من الناس يعيشون في دوائر من الأعمال التي يمكنهم فعلها… لكنها لا تترك أثرًا. ينشغلون بتفاصيل صغيرة، ويعطون وقتهم لمن لا يستحق، ويهدرون طاقتهم في نقاشات لا تنتهي، ثم يتساءلون لماذا لا يتحرك شيء في حياتهم. وكأنهم يعدّون أيامهم رقمًا رقمًا… دون معنى.
خذ مثلًا من يقضي يومه في الرد على نقاشات مجموعات الواتساب، يكتب وينفعل ويجادل، ثم يكتشف أن يومه انتهى بلا خطوة واحدة للأمام. أو ذاك الذي يعمل ساعات طويلة في مهام صغيرة لأنه يخشى مواجهة المهمة الأكبر والأهم. أو أولئك الذين يعيشون شهورًا من الجفاء بسبب كلمة عابرة كان يمكن تجاوزها باعتذار هادئ، لكن العناد يلتهم الليالي كما يلتهم العدّ الطويل الصوت والوقت.
وهناك من يهرب من مواجهة ذاته؛ يرتّب مكتبه عشر مرات، ويغيّر أماكن الأشياء، ويخطط ويكتب… لكنه لا يبدأ. كل ذلك حركة بلا أثر، وعدّ بلا نتيجة. والأسوأ من ذلك من يقضي حياته في مراقبة الآخرين؛ يقارن، يحسد، ويتابع إنجازاتهم وصورهم، وينسى أن عمره يمرّ دون أن يضع لبنة واحدة في حياته.
الحياة لا تمنح ثمارها لكثرة الحركة، بل لسلامة الاتجاه. كلمة واحدة قد تُصلح ما أفسدته سنوات، خطوة بسيطة قد تغيّر طريق العمر، وقرار صغير قد يفتح بابًا جديدًا. وفي المقابل هناك آلاف الحركات التي تبدو نشاطًا لكنها لا تصنع فرقًا حقيقيًا؛ كعدّ الأرقام… طويل، مرهق، بلا قيمة.
لذلك يحتاج كل واحد منا إلى لحظة صدق مع النفس. أن يسأل نفسه بوضوح: ما الذي يستهلك وقتي؟ ما الذي يأخذ من عمري؟ وما الذي أبذل جهدي لأجله؟ هل هي أعمال تستحق… أم مجرد نشاط يُستخدم للهروب من قرار مؤجل أو مسؤولية ثقيلة؟
في النهاية… العمر ليس طويلًا لنضيعه في ما لا يُثمر، وليس قصيرًا لدرجة ألا نجد فيه ما يُبنى ويُحصد. الحكمة أن نعرف أين نضع خطواتنا، ومع من نمضي أيامنا، ولأي فكرة نمنح قلوبنا، وأي علاقة تستحق أن نصونها.
نعم… قد تستطيع أن تعدّ إلى المليون.
لكن السؤال الحقيقي هو: ماذا يبقى في يدك بعد هذا العدّ؟
وما الشيء الذي يستحق فعلًا أن يأخذ من عمرك مليون لحظة؟



