13 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

درهم وقاية خيرٌ من قنطار علاج (10)

بدءًا.. لن نأتي بجديد إذا ما تحدثنا عن سيئة واحدة فقط من سيئات العصر الذي نعيشه اليوم، ففي هذا العصر الذي دفع بعجلة التقدم والتطور إلى الأمام، بقدر ما أساء إلى موازين الطبيعة بالنسبة للجسم الإنساني، فلقد فرضت الظروف وإيقاعات الحياة الحديثة نمطًا خاصًا من الحياة على الناس، يدورون في دوّامته العنيفة، لا يدرون صباحهم من مسائهم، غافلين عن مبادىء الصحة العامة، مكتفين بطعام عاجل يتناولونه في " ساندويتشات " بدلًا من وجبة كاملة تسد حاجة أجسامهم من الغذاء، ملتهمين بضع لقيمات على عجل، يزدردونها أزدرادًا وفي أذهانهم ألف مشكلة ومشكلة، وعيونهم تتسمر على الشاشات المضيئة تتابع مواقع التواصل الإجتماعي، أو تنصرف آنظارهم لتتبع القنوات الفضائية أو أشياء أخرى، هذه الحالة المؤسفة التي وصلت إليها حياة البشر قد أفرغت " الغذاء " من محتواه الحياتي الأساسي، وجعلته مجرد مواد يضعها الإنسان في جوفه لتمسك عليه حياته، غير عابىء، بما إذا كانت " نفسه " تقبل هذا الطعام أو لا تقبله، لها رأي فيه أو ليس لها رأي .
إننا سنجد من هذا السلوك الغذائي في نهاية المطاف تلك الحالات الشائعة، من فقد الشهية، وانحطاط القوى، واضطرابات الهضم، وتلبكات المعدة، وانتفاخ البطن، وغثيان وحموضة، وآلام الأمعاء، وهي كلها أعراض غير مريحة طالما دفعت الناس زرافات زرافات إلى المشافي والمستشفيات يلتمسون العلاج غير عالمين أنهم هم الذين تسببوا لأنفسهم بهذه العلل والآلام، بمخالفتهم سنة الطبيعة، وإجبارهم أجهزتهم الهضمية على القيام بمهامها أو وظيفتها بأسلوب يختلف عن اسلوبها الطبيعي..

مشكلة الناس في هذا الزمان أنهم اصبحوا أكثر عرضة لهذه التأثيرات بسبب إيقاع الحياة السريع، والظروف الأسرية التي حرمت أفراد الأسرة من كثير من الأشياء الجميلة التي تعطي معنى للحياة، وأصبحت السرعة إدمانًا وطريقة حياة بحد ذاتها، وجعلت كل واحد من أفراد الأسرة منشغل بمعركة الحياة اليومية، لقد أصبح العمل طوال أيام الأسبوع أو تحت الطلب، وكثير من مهمات العمل أمتدت إلى البيت، أصبحنا دائمًا في عجلة .. نعم أصبحنا نلهث وراء توافر دقيقة من هنا ودقيقة من هناك، والنتيجة لا مواعيد محددة للأكل الجماعي أو تجمع الأسرة بكاملها على مائدة الطعام ولو مرة واحدة في اليوم، وبالتالي هؤلاء يقذفون الطعام في أفواههم كيفما شاء، في جو خالٍ من الراحة والاستقرار، وعدم توفر بهجة الأجواء الأسرية، ومظهر الترابط بين أفرادها.

في بداية التسعينيات من هذا القرن، وعندما انتشرت الأمراض الباطنية في منطقتنا من سمنة وأمراض قلب وسكري وارتفاع ضغط الدم، وبعد أن فتش الباحثون عن أسباب انتشار تلك الأمراض قالوا إن قائمة الأسباب تحوي فيما تحويه الغذاء، ونمط الأكل، وتؤكد الدراسات الطبية أن السمنة منتشرة والأمراض الباطنية في ازدياد، كرد فعل طبيعي نتيجة تغيير في النمط الغذائي .. وقد عوّدتنا الطبيعة على أن تتقاضانا ثمن مخالفتنا لمبادئها وقواعدها غاليًا .. فالخطر على الصحة قادم .. لقد عرفنا قيمة الصحة .. وعرفنا أهمية السلوك الغذائي .. وعرفنا كيف نحمي أنفسنا من الأمراض، وبفضل هذه المعرفة نقول: ستصبح حياتنا أكثر نفعًا وسعادة إذا تخلصنا من ضغط الحياة وقسوة الأيام، وغيّرنا فلسفتنا للحياة العصرية التي تعتصر قلوبنا .. هذه الحياة ومظاهرها ومخترعاتها الحديثة أتت معها من الشرور أكثر مما جلبت من حسنات !!


error: المحتوي محمي