أصدرت الكاتبة سوزان عبدالرزاق آل حمود في يناير 2026 عملها السردي الجديد بعنوان «الحقيقة لها عدة وجوه»، مقدّمةً رواية فكرية–بوليسية تفتح باب التساؤل حول مفهوم الحقيقة، وتفكك وهم اليقين المطلق، في طرح أدبي يزاوج بين التشويق العميق والتأمل الفلسفي في السلوك الإنساني.
وينطلق العمل من جريمة غامضة تهز مدينة ساحلية، حيث يُعثر على رجل الأعمال عاصم مقتولًا في مكتبه المطل على الميناء، لتبدأ رحلة التحقيق بقيادة المحقق فارس، الذي لا يبحث فقط عن القاتل، بل عن الحقيقة المختبئة خلف شبكة معقّدة من الدوافع والمصالح والوجوه المتصارعة.
ويعالج الكتاب فكرة أن الحقيقة ليست كيانًا واحدًا صلبًا، بل صورة متعددة الأبعاد، تتشكل وفق زاوية الرؤية، والخلفية الثقافية، والظرف النفسي لكل شخصية، فكل شاهد في القصة يمتلك «جزءًا» من الحقيقة، دون أن يملكها كاملة، لتغدو الحقيقة أشبه بمرآة مكسورة تعكس شظايا متباينة لا تكتمل إلا بجمعها جميعًا .
وتتجلى هذه الفكرة عبر شخصيات محورية، لكل منها «وجه» خاص: وجه الانتقام ممثلًا في الشريك السابق، ووجه الجشع في الابنة التي تخشى ضياع حقها، ووجه الخوف في الشاهد الذي كتم شهادته، لتؤكد الكاتبة أن الجريمة لم تكن فعلًا فرديًا خالصًا، بل نتيجة صمت جماعي وتواطؤ غير مباشر .
ويستخدم النص البناء البوليسي كوسيلة لطرح أسئلة أخلاقية أعمق، تتعلق بالعدالة، والظن، وكتمان الشهادة، وحدود الحق الشخصي، حيث تذهب آل حمود إلى أن العدالة البشرية مهما بلغت لا تصل إلى الحقيقة الكاملة، بل تقترب منها بقدر ما يُتاح لها من روايات وشهادات متناقضة.
ويحمل العنوان «الحقيقة لها عدة وجوه» دلالة رمزية واضحة، إذ يشبّه الواقع بالمنشور الزجاجي الذي يكسر الضوء إلى ألوان متعددة، كل لون منها يمثل وجهًا من وجوه الحقيقة، دون أن يكون وحده الحقيقة النهائية، في دعوة صريحة لتحرير العقل من الجمود، والتخفف من الأحكام المطلقة .
وتختم الكاتبة عملها برأي مباشر يرسّخ رسالتها الفكرية، مؤكدة أن الذنب لا يكمن دائمًا في الفعل، بل كثيرًا ما يتخفى في الصمت، وأن المجتمعات قد تشارك بوعي أو بجهل في صناعة الجريمة حين تختار السلامة على حساب قول الحقيقة .
ويأتي هذا الإصدار امتدادًا لمسار سوزان آل حمود الأدبي، المعروف بجرأته في مقاربة القضايا الإنسانية والاجتماعية، بعد أعمالها السابقة مثل «من شرفة الغيم» و«هتاف بلا إيقاع»، مؤكدة في كتابها الجديد أن الحقيقة، مهما طال غيابها، تظل تبحث عن نور يكشف وجهها الأخير.



