12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

الدواء دون طبيب داء

الطبيب وسيلة للشفاء من المرض ومنع الإصابة به والحد من خطورته، وقد مرّت هذه المهنة بثلاث مراحل:

الأولى:
قديمًا ما كانت تخضع لشروط أو تقنين أو دراسة، يُكتفى بممارستها بالوراثة والخبرة، لهذا نرى المُحسِّن “الحلاق حاليًا” يجري عمليات جراحية ولو بسيطة، ويصف الدواء من الأعشاب المحلية والمتواجدة عند العطار أو الحواج “صيدلاني اليوم” جاهزة أو يقوم بتصنيعها ومنها المستورد، ولا زال البعض يتعاطى بها ويستفيد، لا رقابة على صلاحيتها ولا محاسبة على الأخطاء الصادرة ولا اعتراض، ولثقة الجميع وعقيدتهم أنه المنقذ الوحيد لما يعانون يقصدونه أين وجد، يدفعون له إكرامية أو يترحمون على والديه ويجزونه خيرًا.

وتحصل حالات تعافٍ كثيرة بسببه، وآخرون متخصصون في تركيب كسور العظام والمراخ والكي والحجامة {وهذه موجودة ومفعلة شعبيًا إلى الآن وإن لم تكن كالسابق}، وكل ما يلزم الجسم، ويعتمد التشخيص على لمس العضو بقوة والتحسس وجواب المصاب عند سؤاله “كشف سريري متكامل أشعة ومختبر”.

وبرز من تشعبت شهرته إلى خارج منطقتنا، يحضرني منهم على سبيل المثال لا الحصر من “العوامية” المرحوم الشيخ / محمد النمر عالم طب ودين يُضرب به المثل إلى يومنا هذا، وكانت بلدة “عنك” أشبه بتجمع صحي عيادات في البيوت تخصصية فيما ذكرناه أعلاه.

ومن متأخريهم البارزين المرحومين الحاج / محمد دخيل القمبر، الذي وصلت سمعته إلى مدير عام الصحة في المنطقة الشرقية حينها فأُعجب بأدائه وأثنى عليه، وكان يفهم قراءة الأشعة في السنوات الأخيرة وما تعني، يأمر بأخذها ويتمشى بموجبها مما يدل على تمكنه في مهنته ومعرفته، والآخر الحاج / محمد المشهد وغيرهما.

وعمومًا لا تخلو بلد من أولئك المحترفين في هذا الشأن، يقابلهم نساء خبيرات تخصصن بمساعدة المرأة بالأخص الحامل إن كان جنينها في وضع طبيعي أو منحرف ويحتاج تصحيحًا إلى المخاض ثم الولادة ومتابعتها وقت الحاجة “ويطلق عليها عرفًا أمًا للمولود”.

مضى أغلب ذلك بعد تأدية وظيفته المتعلقة بحياة الناس بإخلاص في حدود الإمكانيات المتاحة “نقدم لهم الشكر والتقدير”، وبقي بعضها إلى الآن بجانب ما يسمى بالطب البديل.

الثانية:
مرحلة وسطية مضمونها أن يكون الطبيب حاصلًا على شهادة علمية معترف بها في مجاله، مع ذلك بدايةً ما كان يلتزم بتخصصه، ففي الستينات بمدينة القطيف طبيب “عين” أجرى لي عملية جراحية وكانت ناجحة.

كما أدركت ممرض خبرة فتح له عيادة طبية في بيته “ببلدة القديح” يعالج فيها إلى قبل خمسين عامًا، ومراجعيه بالعشرات.

الثالثة:
في حاضرنا قُننت هذه بدقة، أصبح أداؤها بتخصص لا يتعداه وإلا اعتُبر مخالفًا يُعاقب بإيقافه عن الخدمة وإلغاء ترخيصه.

والتخصص نفسه تفرعت منه تخصصات أيضًا، وكُلّفت لجان بمراقبة المستشفيات والعاملين فيها والتحقق من صحة عملها ومستوى منسوبيها، وفُرض التأمين المهني والصحي، واستُحدثت مراكز لبعض الأمراض كالقلب والسرطان والكلى.

ولكن للأسف مع التطور المذهل في هذا العلم، والأجهزة الكاشفة مبكرًا للإصابة، وما تتحفنا به الأبحاث العالمية بمنتجات جديدة، جراحة عن بعد، تبديل وزراعة أعضاء، وبراءات اختراع تسابق الزمن، والقادم أزيد، مع ذلك المتطفلون الدخلاء منتشرون، يفتون دون طلب من أحد، يشخصون ويصفون الدواء للعموم من وحي أنفسهم.

لو سألت أحدهم ما دخلك من أين لك هذا؟ رده: “زيد” أصيب وأُعطي ما وصفتُ وشُفي، وآخر يعاني مثل “عمرو” استفاد مما قلتُ.

لو كسبتَ أيها الأحمق كما تزعم بجهلك الأول مصادفة وخسرتَ الثاني وهلك صاحبك أو زاد ما به، ما موقفك؟ من المسؤول؟

الصحيح يجب ترك هؤلاء جميعًا وتوجيهاتهم العشوائية، وتوبيخهم على تصرفاتهم، ومراجعة المختص، والأخذ بما يوصي به ويصفه.

ونعيد حيث عنونا: “الدواء دون طبيب داء”، ونضيف أن التدخل فيما لا يعني جريمة، ولو أُبلغت الجهات الرسمية ذات العلاقة تعرّض متبنيها للعقوبة.


error: المحتوي محمي