12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

أدر طرفك إليَّ.. "3"

   تُدرك في لحظة تأمل مُوجعة، أن ريم في هذا العمر، تحتاج إلى وجودها، فهذه الأوقات لا تعوّض في حياة الإنسان، ولها أثرها، إيجابًا أو سلبًا. فما مضى من العمر، وحرمانها من حُضورها، إلى جانب انشغال والدها الدائم بتجارته، لن يكون محطة عابرة، ولكنه سيؤثر عليها نفسيًا وفكريًا، أيضًا سينعكس، كالمرآة على نوعية أحلامها المستقبلية التي ستنسجها مع مُرور الأيام. نتيجة لما ستلقاه من تربيةٍ واهتمامٍ في مراحل نموها مُنذ الصغر، إلى أن تغدو فتاة ناضجة، تزدهر عنفوانًا.

 في الحياة ثمّة ما يستحوذ على حيّزٍ كبيرٍ من اهتمام الأسرة، ويغدو شغلها الشاغل، وهذا أمر لا يختلف عليه اثنان. غير أن المسألة تخضع لثقافة النسبية، والخطورة تكمن في فُقدان التوازن عبر تغليب الأوليات. فالانغماس في الجانب المادي، واتخاذ الرفاهية مطلبًا أساسيًا دون أن يُزاحمها شيء آخر، مما يستدعي بالضرورة إهمال الجانب التربوي.

 يُقال: الصدفة خير من ألف ميعاد. التفت إليه، فوجده يُحدّق فيه بعمق، كباحث عن إبرةٍ في كومة قش، وكأن نظراته، تُنقب في الذاكرة. هكذا أحسّ في داخله أن جاذبية خفية تشدّه إليه، وأن ملامحه مألوفة، قريبة من ذاكرته، حتى بدت المسافة بينهما، وكأنها تتعانق.

 للمرة الأولى، يحضر ديوانية الحاج محسن. اقترب منه، وهمس في أذنه: ألم تتذكرني؟! 

للأسف لا، أظن أن هذه أول مرة نلتقي فيها. يا لطيف!، أنا صديقك محمد أحمد. أنسيت الأيام التي كُنَّا فيها رفاقًا، حين قضينا سنوات الدراسة سويًا؟

 أشرقت ابتسامة، كوجنتيه الحمراوتين، يشيعها الحنين. لا ألومك، لقد تركنا الوطن مُنذ سنوات، وانقطع تواصلنا، وكلانا انشغل بشؤونه. لنا قرابة الشهر مُنذ عودتنا إلى الوطن، وفور وصولنا، وأنا أبحث عنك كثيرًا؛ لألتقيك، وها أنا اليوم معك. ما أجمل اللحظات التي يجمع فيها اللقاء من نُحب، بعد غياب طويل.

 ذاق القلب ألم الغربة المضني. ألحّت أمي على أبي بالعودة إلى الوطن، وأبي اشتاق إليه. اشتاق إلى الأهل والرفاق، إلى كل شبرٍ من تُرابه، ومن رائحته العبقة.

 الحنين، يارفيق العمر، أكبر من كل الكلمات. إحساس يُجافي الواقع، ويسكنك في عمليةٍ تبادليةٍ خفيةٍ، إلى العيش في الذكريات؛ كأنك تُعيد جدولة مشاعرك من جديد. وحين ألهبنا الشوق، لم نعد نقوى على المكوث في الغربة، فعقدنا العزم على العودة. إنه الصراع الداخلي بين الواقع والذكريات، بين الواقع والحنين.

 ما يزال يُصغي إليه، بينما شريط الذكريات، يحوم بين عينيه. توقفا فجأة، والابتسامة تُهرول عشقًا؛ لاحتضانه، كأنها تحتض كل تلك الذكريات، والمشاعر التي نسجتها، وهو يبوح باشتياقه، وكلماته ترتعش على شفتيه، والأسئلة، تنطلق عشوائية، لا يشعر بمعناها، ولا يطلب جوابًا، بقدر أنها تُعبر عن لهفته.


error: المحتوي محمي