في ليل الرابع عشر من شهر يناير ٢٠٢٦م، الموافق ٢٤ من شهر رجب ١٤٤٧ هجرية وصلنا مكة المكرمة لأداء عمرة مفردة. طقس مكة المكرمة في شهر يناير بديع جدًّا. ليس فيه برودة شديدة ولا حر شديد، إنما معتدل لطيف.
كان اجتماعًا جميلًا للكثير من أفراد العائلة والأحفاد. لم تحصل فرصة قبل هذه المرة للاجتماع في مكة المكرمة لذا نرجو الله أن يسمح بمثلها في السنوات القادمة. حضر معنا بعض الأحفاد ليجربوا زحمة العمرة حتى إذا جاء وقت حجهم لم يكن المكان غريبًا عليهم.
في كل مرة أزور مكة المكرمة أرى تغيرًا في معالمها فهي بالإضافة إلى أنها عاصمة المسلمين الدينية أصبحت مدينة فيها ما يشتهي المسافر من لذائذ الحياة؛ فنادق فاخرة، مطاعم راقية وأسواق عامرة. مختلفة جدًّا عما رأيته في أول زيارة قبل أكثر من أربعين سنة، عام ١٩٨٥م.
القارئ الكريم والقارئة الكريمة: أشارككَ هذه الخاطرة لكي أحثكَ على صحبة الأبناء في مثل هذه السفرات الدينية القصيرة والجميلة. وعلى تمرين الأبناء والبنات على الطاعات. عمرة غير شاقة، وهذا شهر رمضان في هذه السنة آتٍ في فصلٍ لطيف ما يسمح للصغار بالتدرب على الصوم. تمرين الطفل على الطاعات والعبادات تجعله يداوم عليها في كبره فلا ينتظر حتى يبلغ أربعين سنة وهو لم يحج أو عشرين سنة ولم يصم!
في هذه الرحلة استطلعنا بعض معالم مكة المكرمة وتجولنا في عرفات ومزدلفة ومنى. رأينا بعض الزائرين بينما في أيام الحج ترى هذه الأماكن مزدحمة بالحجاج. سرنا على خطى أبينا إبراهيم عليه السلام، في الطريق الذي مشى فيه في منى، متحديًا غواية إبليس ومستجيبًا لدعوة الله سبحانه وتعالى حين أمره بذبح ابنه اسماعيل عليه السلام.
رأى إبراهيم عليه السلام منامًا غريبًا جعله في حيرة، رؤيا تدل على إمتحان عسير ليس كمثل أي امتحان، إذ رأى في المنام أنّ اللّه يأمره بذبح ابنه الوحيد و قطع رأسه. وكما يقال الفتى سرّ أبيه، رحّب إسماعيلُ بالأمر الإلهي بصدرٍ واسع ونفس طيبة، قال لوالده: يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ. لا تفكّر في أمري لأن الله سبحانه وتعالى أمرك بذبحي، فانّك سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ.
لا تنسَ أيها القارئ الكريم والقارئة الكريمة أن تجد تفاصيل حكاية نبي الله إبراهيم وابنه إسماعيل في الكتب المعتبرة. حكاية شيقة رائعة اختصرها القرآن الكريم في بضع آيات: {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا ۚ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (106) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ}.
في مكة - قبل أن نعود - حضرنا ذكرى بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله. ذكرى انتقال البشرية من العمى إلى الهداية بعدما طلع نور النبي محمد صلى الله عليه وآله وتلك حكاية أخرى لعلك تدهش عندما تطلع على تفاصيل أسرارها الشيقة.



