اللهجة هوية، لا مجرد ألفاظٍ تتكرر على الشفاه. ثم ماذا؟ ثم إنك، قارئي العزيز لستَ مطالباً، حين تلقي خطاباً في مجلس الأمن الدولي، أن تستخدم كلمات مثل: (چندس، جوزدان، كلابد، هالنمونة)، غير أنك مطالب ـ ذوقاً وانتماءً ـ ألا تكون اللهجة التي تتحدث بها مستعارة من منطقة أخرى. تحدث، سيدي العزيز، باللهجة البيضاء إن خشيت ألا تُفهم كلمة «چندس»، أو تحدث بلغة جدّنا صعصعة بن صوحان العبدي، لغةً فصيحةً جميلة. الحقيقة أنَّ أهمية الحديث في هذا الأمر تنبع من شعور شريحة من الناس بعدم الاعتزاز بمدينتهم العتيقة، القطيف؛ بلاد الجمال والنخيل، والعلم والأدب، وكل ما هو جميل. عند هذه النقطة تبدو القضية أبعد من كونها قضية چندس وشبلية.
في تقديري أن ضعف الاعتزاز بالانتماء إلى القطيف لا ينشأ من فراغ، بل تقف خلفه أسباب متفرقة، لعل من أبرزها الخوف من إظهار الانتماء المذهبي وما قد يجرّه ذلك من حرج أو أحكام مسبقة. وأظن أن إخفاء الهوية، حين يكون بدافع الخوف لا بدافع الحكمة، يضع الفرد في حالة توتر داخلي دائم، ويقوده -من حيث لا يشعر- إلى ازدواجية سلوكية تقترب من التزلف أو المجاملة القسرية لمن لا يستحق هذا التنازل. شخصيًا أجد أنَّ الشخص الذي ينتقص من انتمائك المكاني أو المذهبي يستحق أن يسمع منك كلمة جندس وروزنة. إنَّه باختصار لا يمارس حقاً نقدياً، بل يكشف عن ضيق أفقه؛ ومن هنا، فإن رأيه لا يستحق أن يُحمَّل أكثر مما يحتمل. بل إن الثبات على الذات أمام هذا النموذج، لغوياً وثقافياً، يصبح شكلاً من أشكال المقاومة الرمزية، لا استفزازاً ولا فظاظة. فاللغة كما أعتقد ليست أداة تواصل فحسب، بل إعلان موقف، ومن لا يحتمل سماعك كما أنت، فمشكلته مع ذاته قبل أن تكون مع چندس وجوزدان.
لهجة القطيف لهجةٌ تتقاطع في كثير من خصائصها مع لهجات دول الخليج، وكثيرٌ من ألفاظها وظواهرها الصوتية لها شواهد معتبرة في علم اللغة. فمن ذلك قلب الجيم ياءً كما في (دجاج – دياي)، وزيادة الميم في الاسم المعرّف بـ«الـ» كما في (البيات – إمبيات)، وقلب القاف جيمًا كما في (قاسي – جاسي)، إلى جانب ظواهر صوتية أخرى لها أصول في علوم اللغة. من هنا فإن كان التنازل عن اللهجة بدافعٍ لغويٍّ أو تواصلي، فليكن ذلك عن وعيٍ لا عن خجل؛ إذ إن لهجة القطيف لهجة عربية سليمة، لا تشوبها شائبة من حيث الأصل والامتداد. أما إن كان التنازل خوفًا من حرجٍ يفرضه شخصٌ يتخذ من السخرية معيارًا، فالثبات على الذات يصبح أبلغ من أي تبرير. فاللغة هوية قبل أن تكون وسيلة، ومن لا يفهم اختلافك لا يملك حق الانتقاص منك، والضحك مما لا يُفهم سمة جهل لا دليل تفوق. لذلك، لا يضيق صدرك ولا تتراجع، وتحدث بلهجتك كما هي واثبت على كلمة «چندس» فهي انتماء قبل أن تكون مجرد لفظ.



