حضرت الفنانة التشكيلية فايزة حسن المسعود من محافظة القطيف في معرض «بصمة خليجية» بوصفها واحدة من الأصوات البصرية التي تشتغل على الذاكرة الروحية للحرف والزخرفة في الفضاء الخليجي، من خلال أعمال تجريدية مزجت بين الخط العربي والزخرفة الإسلامية واللون في مشروع تشكيلي يستدعي التاريخ لا بوصفه صورة، بل بوصفه أثرًا حيًا في الوجدان البصري.
قدّمت المسعود مجموعة من اللوحات التي بدت وكأنها مساحات معلّقة في الضوء، تتكوّن من طبقات لونية، وتراكيب زخرفية، وإشارات خطية، تتداخل فيها الحروف مع النقوش والملامس، لتصنع فضاءات تستحضر روح التراث الإسلامي والخليجي دون أن تحاكيه حرفيًا، بل تعيد صياغته داخل لغة تجريدية معاصرة.
في عدد من أعمالها، برزت الذهبيات والبنيات والرماديات كلغة لونية تحيل إلى القدم والرسوخ، حيث ظهرت الكتابات القرآنية والحروف المجردة وكأنها منقوشة في طبقات الزمن، لا لتُقرأ بوصفها نصًا، بل لتُستشعر بوصفها طاقة روحية وبصرية، فتتحوّل اللوحة إلى مساحة تأملية أكثر منها سطحًا تصويريًا.
اشتغلت فايزة المسعود على الحرف العربي لا بوصفه كتابة، بل بوصفه نسيجًا بصريًا حيًا، يدخل في بنية اللوحة كما تدخل الزخرفة في النسيج الثقافي، ليمنحها إيقاعًا داخليًا وروحًا صوفية، خصوصًا في الأعمال التي تتكاثف فيها الخطوط، والدوائر، والعناصر المتراكبة، فتستدعي حالة من الذكر والتأمل داخل فضاء اللون.
وفي الأعمال الأكثر لونية، حيث تتجاور الأزرقات والبنفسجيات والأحمر الدافئ، ظهرت اللوحة كأنها مشاهد داخل الحلم، تتفكك وتُعاد صياغتها عبر ضربات لونية وإشارات خطية، في قراءة بصرية للذاكرة الخليجية بوصفها طبقات من الروح والجمال والوجدان.
لم تقدّم المسعود صورة مباشرة للمكان، بل قدّمت روحه: حضوره الروحي، زخرفته، صلته العميقة بالحرف والقداسة، لتبدو أعمالها كأنها خرائط وجدانية لفضاءات لا تُرى بالعين، بل تُدرك بالإحساس.
انسجمت مشاركة فايزة المسعود مع الطابع العام لمعرض «بصمة خليجية» الذي جمع بين تجارب متعددة من السعودية والكويت، حيث مثّلت أعمالها البعد الروحي والحروفي في مقابل حضور المرأة والهوية لدى أفراح الحساوي، والبحر والذاكرة لدى منير الحجي، والطبيعة التعبيرية لدى فضيلة عيادة، والنخلة والتراث لدى سعاد وخيك.
وعكست هذه المشاركة حضور الفن التشكيلي في القطيف بوصفه حاضنة لرؤى بصرية عميقة، لا تكتفي بالشكل، بل تذهب إلى جوهر العلاقة بين الإنسان والروح والذاكرة.
من خلال «بصمة خليجية»، رسّخت فايزة حسن المسعود مكانتها كفنانة تمتلك لغة تشكيلية خاصة، قادرة على تحويل الحرف والزخرفة واللون إلى فضاء بصري تأملي، يمنح المتلقي تجربة جمالية وروحية تتجاوز الظاهر إلى المعنى.











