12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

الوعي الذي يولد مع الأزمة ويموت بعدها

نحن كبشر، حين نفاجأ بصدمة، نبدو أكثر وعيًا ممَّا نحن عليه عادة.

وفاة قريب، مشكلة أسرية موجعة، خلاف اجتماعي كبير… فجأة نصغي أكثر، ونراجع أنفسنا، نعيد ترتيب أولوياتنا، ونتحدث بلغة مختلفة، وكأننا اكتشفنا شيئًا كان غائبًا عنَّا.

في تلك اللحظات، نفهم، نتعاطف، ونحلل بهدوء مؤلم. نعد أنفسنا أن لا نكرِّر الأخطاء، وأن نغير، وأن نكون أفضل. لكن ما إن تخف الصدمة، وينتهي العزاء، وتهدأ المشاعر، حتَّى تعود الحياة الى مسارها القديم… ونعود نحن معها، وأحيانًا نعود أسوأ ممَّا كنَّا.

ليست المشكلة في لحظة الوعي؛ بل في قصر عمرها.

نعم، لا يمكن للحياة أن تتوقف عند فاجعة، ولا عند فقد عزيز، ولا عند أزمة شخصيَّة أو اجتماعية موجعة. فالاستمرار ضرورة، والتعافي مطلب، والعودة إلى الحياة أمر لا خلاف عليه.

لكن السؤال الأهم: أي حياة نعود إليها؟
هل نعود كما كنَّا تمامًا، بنفس الأفكار، ونفس السلوك، ونفس الأخطاء، وكأنَّ ما مرَّ بنا لم يكن سوى محطَّة عابرة؟

كثير من المواقف التي تهزنا تشبه مرارة بعض الأدوية؛ لا نتجرعها عبثًا، بل لأنها تكشف خللا، أو تنبه الى سلوك خاطئ، أو تضعنا وجها لوجه أمام فكرة كنَّا نتجاهلها. والمشكلة إننا، ما إن تزول المرارة، حتَّى ننسى سبب الدَّواء، ونكرر الأسباب ذاتها.

الأزمات لا تطلَّب منَّا التَّوقف عن العيش؛ لكنها تطلَّب منَّا أن نراجع كيف نعيش.

فإمَّا أن تكون الصدمة منبهة حقيقيَّة تعيد ترتيب وعينا، أو تمر كغيرها، نخرج منها مثقلين بالمشاعر، لكن بلا تغيير.

تبقى سلوكياتنا اليوميَّة، في كثير من الأحيان، مجرَّد أفعال نمارسها بتلقائية، أو أفكار نعيش معها دون مراجعة. نتعايش مع الخطأ إذا لم يؤذنا مباشرة، ونتسامح مع السلوك السلبي ما دام لا يطرق بابنا بقوَّة، حتَّى نظن أنَّ الأمور بخير، أو على الأقل محتملة.

لكن ما إن نقع في مشكلة حقيقيَّة، وتهتز مشاعرنا، أو نرتبك، أو نرتكب خطأ فادحا لم يكن في الحسبان، حتَّى نبدأ بالسؤال، ونغيِّر النبرة، ونعيد النظر في سلوكيات كنَّا نجهل خطورتها، أو نتجاهلها عن قصد.

كثيرًا ما نرى ذلك في علاقاتنا القريبة.

شخص اعتاد القسوة اللفظيَّة، أو التجاهل، او الانشغال الدائم، ولا يرى في سلوكه مشكلة… إلى أن يخسر شخصًا عزيزًا، أو تتصدع علاقة، أو يصل الأمر الى قطيعة مؤلمة. عندها فقط، يظهر الوعي، وتبدأ المراجعات، لكن بعد أن يكون الثمن قد دُفع.

والمشكلة ليست في هذا الوعي المتأخر؛ وإنَّما في كونه مشروطًا بالوجع. فلو سبق الوعي الأزمة، لكان الضرر أقل، وربما لم تقع الأزمة أصلًا.

نسمع كثيرًا بالمثل الشعبي الدارج: (إذا ذهبت السكرة، أتت العبرة)، وهو مثل صادق يلامس تجربة إنسانيَّة شائعة. فكثيرًا ما يعيش الإنسان غافلًا عن أفعاله وتصرفاته، أو مستهينًا بنتائجها، إلى أن يقع في الخطأ، أو يدفع ثمن سلوك ظنِّه عابرًا، فتصحو عينه متأخرة.

حينها، تتبدَّل اللغة، ويختلف التفكير، ويبدأ الاستيعاب الحقيقي لما كان يحدث من قبل. لكن المشكلة أنَّ هذه العبرة لا تأتي دائمًا في وقتها المناسب؛ لكن بعد أن تخلف أثرًا، أو خسارة، أو وجعًا كان يمكن تجنبه لو سبق الوعي السقوط.

ليست العبرة في الاستيقاظ بعد الخطأ؛ بل في الوعي الذي يسبق السقوط. فالوعي المؤجل لا يحمي ولا يبني، ويكتفي بردِّ الفعل.

فلماذا يتغير سلوكنا بعد الخروج من الأزمات؟

ولماذا نبدو أكثر التزامًا، أكثر انتباهًا، وأكثر حرصًا، فقط في الأيَّام التي تلي الصدمة، ثمَّ ما نلبث أن نخفف قبضتنا على أنفسنا شيئًا فشيئًا؟

في لحظة الأزمة، نعيش تحت ضغط الوجع، فنراجع تصرفاتنا، ونحسب كلماتنا، ونراقب سلوكنا بدقة. لكن ما إن نستعيد توازننا، وتعود الحياة إلى إيقاعها المعتاد، حتَّى نتصالح مع أخطائنا القديمة، ونبرر عودتنا إليها، وكأنَّ الأزمة كانت استثناء لا درسًا.

المشكلة ليست في إننا ننسى؛ بل في إننا نسمح للسلوك القديم أن يعود من دون مقاومة.

نخرج من الأزمة ونحن نعرف أين أخطأنا؛ لكننا نختار أن نعيش كما كنَّا؛ لأنَّ التغيير الدائم يحتاج جهدًا، بينما العودة لما اعتدناه أسهل وأقل كلفة.

هنا، لا تقاس التجربة بالأزمة نفسها؛ وإنَّما بما نعود إليه بعدها.

فإمَّا أن يتحوَّل الوعي الذي ولد تحت الضغط إلى سلوك واعٍ في زمن الهدوء، أو يبقى مجرَّد استجابة مؤقتة، تموت بانتهاء السبب. والوعي الحقيقي لا يقاس بما نقوله تحت الضغط؛ بل بما نعيشه بعد أن يهدأ كلُّ شيء.

فإن لم يتغيَّر السلوك، ولم تتبدَّل العادات، ولم تترك التجربة أثرًا دائمًا، فإنَّ الأزمة لم تصنع وعيًا… بل صنعت لحظة انفعال عابرة.

وهنا يكمن الفارق بين من يتعلَّم من الأزمات، ومن يكتفي بالنَّجاة منها.


error: المحتوي محمي