03 , أبريل 2026

القطيف اليوم

رحلة بيان (قصة)

كانت دعوة من صديق قديم بعد سنوات طويلة من العمل قضاها أبو هاني مع زملائه. ورغم التباعد الجسدي والمكاني الذي فرضته مشاغل الحياة اليومية والعائلية، إلا أنهم ظلّوا على تواصل دائم عبر برامج التواصل الاجتماعي. وهذه المرة جاءت فكرة الاجتماع في رحلة قصيرة إلى البر بعد تحسّن أحوال الطقس، لتكون فرصة للقاء الأصدقاء القدامى، على أن يكون الاجتماع بحضور الأبناء والأحفاد.

تكفّل كل واحد بإحضار ما هو مطلوب منه للرحلة، وتم تحديد المكان المناسب.

أخذ أبو هاني ابنه هاني وابنته بيان ذات الأربع سنوات. وقفت أم بيان تنظر إلى ابنتها بعينٍ يملؤها القلق، لا تعرف سببه، وتحاول إخفاءه بابتسامة كبيرة، وهي تردد:
«اعتنِ بها يا عزيزي، وأنتِ يا حبيبتي لا تبتعدي عن والدك».

كانت بيان الصغيرة متشبثة بذراعيها الناعمتين حول عنق والدها من شدة فرحتها بالخروج معه، وهي تقول:
«بابا هيا لنذهب»،
وتلوّح بيدها الصغيرة لأمها بحركة عفوية قائلة:
«مع السلامة ماما».

انطلق أبو هاني وابنه وحفيدته متوجهين إلى البر، والفرحة تغمرهم بتبادل الأحاديث والضحكات، وكانت بيان تشعل السيارة حيويةً ونشاطًا.

بعد مرور نصف ساعة تقريبًا وصلوا إلى المكان، حيث استقبلهم الأصدقاء عند الخيمة التي استأجروها وسط المخيمات المنتشرة هنا وهناك، المكتظة بالناس، وكأن أهل المدينة انتقلوا إلى البر دفعة واحدة.

احتضن أبو ياسر صديقه القديم أبا هاني بحرارة، وهو يمازحه:
«لقد كبرت وصرت كبيرًا في السن، ولكنك لم تتغير كثيرًا، سوى هذه…»
ووضع يده على بطن أبي هاني، مضيفًا ضاحكًا:
«لقد برزت كثيرًا، عليك بالرياضة يا أبا هاني!»
تعالت الضحكات بين الأصدقاء الذين التفّوا حوله، وكان الشوق للقاء يسبقهم.

ما زالت بيان متشبثة بصدر أبيها، تنظر بدهشة إلى المكان الذي تراه لأول مرة؛ صحراء تمتد لها الأبصار، تكسوها الرمال الصفراء التي اكتسبت لونها من أشعة الشمس الدافئة.

دخل هاني الخيمة ليجد أصدقاء الطفولة: ياسر، فتحي، عماد، علي، حسين، وأحمد. سلّم على الجميع بحرارة وشوق، وسط ضحكات الفرح باللقاء بعد غياب طويل، وكأن تلك الأيام الجميلة تعود من جديد.

لاحظت بيان مجموعة من الأولاد والبنات يلعبون وسط الخيمة، فقفزت من حضن أبيها لتلتحق بهم وتشاركهم اللعب والمرح، وكأنها تعرفهم منذ زمن بعيد. فالطفولة البريئة تقرّبهم دون مقدمات أو وقت للتعارف، حيث إن الفرح واللعب قاسم مشترك يكفي لفتح صفحة صداقة عفوية.

وسط الأحاديث بين الشباب، رنّ جوال هاني. نظر إليه فإذا المتصلة زوجته. انتهز الأصدقاء الفرصة بعد أن علموا بهوية المتصلة، فقال ياسر مازحًا:
«من المتصل؟ أكيد أم العيال… صح؟»
وعقّب فتحي:
«لا يستطيع الابتعاد كثيرًا!»
ضحك الجميع، وبادلهم هاني الضحكات قائلًا:
«كفّوا عن ذلك، وسنرى بعد قليل من يتصل بكم!»
ثم خرج من الخيمة ليجيب على الاتصال، فطمأن زوجته على بيان، والتقط لها صورًا وأرسلها عبر الواتساب.

مرّ الوقت سريعًا بين تبادل الأحاديث، ومشاركة الأبناء اللعب، ومساعدة الآباء في تجهيز وجبة الغداء.

بعد صلاة الظهر وتناول الطعام وسط تلك الأجواء المفعمة بالفرح والسعادة، قرر الأصدقاء الخروج للتجول خارج الخيمة، حيث الهواء العليل النقي، وتحت أشعة الشمس الدافئة، والسماء الزرقاء الملبدة ببعض الغيوم البيضاء الجميلة. أمسك كل واحد بولده أو ابنته، والتقطوا الصور الجميلة لهم وهم يلعبون بالرمال ويتسابقون.

وسط الخيام، ظهرت أصوات الدراجات النارية ذات الأربع عجلات، بصوتها العالي، يقودها أطفال بسرعة بين كثبان الرمال. نظر الأصدقاء إلى بعضهم البعض وكأنهم يتشاورون بنظراتهم حول خوض هذه التجربة. حمل هاني بيان، وأشار بيده نحو الدراجات وقال لها:
«بابا، هل تريدين الركوب عليها؟»

نظرت بيان إليها، وضعت يديها على أذنيها، وهزّت رأسها نافية، قائلة بانزعاج:
«لا… لا… أنا أخاف.»

انقسم الأصدقاء بين مؤيد للركوب ومعارض، وكان من بينهم عماد الذي أخذ ينصحهم بعدم ركوبها، لافتقارها لعوامل السلامة، فالدراجات قديمة ومحركاتها مكشوفة، والدخان يتصاعد منها بكثافة.

قال علي مبتسمًا وهو يشير إلى الدراجات:
«يا صديقي، يبدو أنك لا تجيد قيادتها، تعال لأعلمك، لا تخف!»
وضحك معه بعض الأصدقاء محاولين إقناعه بالتجربة.

انطلق الجميع حاملين أطفالهم نحو الدراجات، ما عدا عماد الذي أمسك بيد طفله علي، وأشار إلى هاني الذي تأخر مترددًا بعد أن رأى خوف ابنته. قال له:
«اسمع كلامي يا هاني، إنها غير آمنة، وابنتك خائفة.»

تردد هاني، وسأل ابنته مرة أخرى:
«هل تريدين اللعب؟»
وكأنه يبحث عن موافقتها. لكن هذه المرة انفجرت بيان بالبكاء عندما كرر السؤال.

احتضنها ومسح دموعها قائلًا:
«لا تخافي يا عزيزتي، لن نذهب.»

جلس عماد وهاني مع أبنائهم على تل مرتفع قليلًا بالقرب من الدراجات، ينتظرون أصدقاءهم. وكانت بيان تلعب مع علي على مقربة منهم.

وفجأة اقتربت أصوات الدراجات النارية بسرعة وهم يتمايلون بين كثبان الرمال. وبما أن عماد وهاني كانا أعلى التل، وأطفالهم في الجهة الأخرى، حيث لا يراهم القادم من الأسفل، شعرا بخطورة الموقف. وقفا يشيران بأيديهما للدراجات كي لا تقترب، لكن ضجيجها العالي حال دون سماعهم.

وبسرعة، اتجهت إحدى الدراجات نحو أعلى التل بضحكات عالية، ثم انحدرت بقوة نحو الجهة الأخرى حيث كان بيان وعلي يلعبان، فاصطدمت بهما بقوة، وتدحرجا من أعلى التل. سقط راكب الدراجة ومن معه، وتعالت الصرخات، صراخ الأطفال وصرخات عماد وهاني، اللذين أسرعا نحوهم ليجدوهم مغطّين بالدماء.

حُمل الأطفال بسرعة إلى الخيمة حيث كان الأجداد ما زالوا يتسامرون. فزع الجميع من صراخ عماد وهاني، وخرجوا ليصدموا بمشهد علي وبيان محمولين بين أذرع آبائهم، والدماء تملأ ثيابهم.

نُقل الأطفال على الفور إلى المستشفى لتلقي العلاج العاجل. أما أم بيان، التي كانت تشعر بقلق غير مفهوم، وكأن قلبها يترقب خبرًا سيئًا، فلم تصبر وأخذت تتصل بزوجها هاني، لكنه لم يجب عليها حتى لا تعرف بما حصل.

بعد لحظات من الانتظار في الإسعاف، استقرت حالة الأطفال؛ حيث أصيبت بيان بكسر في ذراعها الأيمن، وأُصيب الطفل علي بجروح في الرأس والوجه، بينما تعرّض الطفل الثالث، الذي كان يركب الدراجة مع والده، لكسر في ساقه.

تنهد هاني وهو يحمل ابنته ويقبلها بعينين دامعتين على ما جرى لها في ذلك اليوم، ثم رفع رأسه إلى السماء، شاكراً الله تعالى أن سلّمهم جميعًا من حادث كاد أن يكون فاجعة كبيرة.

اتصل بزوجته ليطمئنها، التي ما إن سمعت صوته حتى صرخت قائلة: كنت أشعر بشيء ما في قلبي.

عاد الجميع قبل أن تنتهي رحلتهم، بذاكرةٍ مثقلةٍ بالحزن، وقلوبٍ ممتنّةٍ لله تعالى على نجاتهم. أدركوا أن لحظةَ تهوّرٍ قد تسرق فرحَ يومٍ كامل، وتحوّل رحلةً وُلدت للبهجة إلى مأساة، وأن الخوف الذي يسكن قلبَ الأم ليس ضعفًا، بل نداءٌ صادقٌ للحيطة والحذر لا يخطئ. وظلّت رحلةُ بيان درسًا لا يُنسى، كُتب بالألم، وانتهى بالحمد.


error: المحتوي محمي