12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

(العُمد السابقون) الخرمدي ودوره في خدمة الوطن والمجتمع

القليل من أبناء هذا الجيل من عايشوا دور العُمد السابقين – أيام زمان – قبل ثمانين عامًا وأكثر، يدركون أن العمدة أو المختار كان يُرشَّح من قبل الأهالي، ويحمل المعرفة والتزكية من كبارهم وشيوخهم، وكان مُلمًّا بأسماء أهل البلدة فردًا فردًا، وبعائلاتهم وأماكن سكنهم، لا بدفترٍ أو صحيفة مكتوبة، وإنما بذاكرةٍ حاضرة لا تمحى.

وكان العمدة، وفق الأعراف السائدة آنذاك، محلَّ ثقة المجتمع وأهلًا لتحمّل المسؤولية، بيته للجميع، وبابه مفتوح، معروفًا لدى الكبير والصغير، فبيت العمدة كان في العادة معلمًا اجتماعيًا يُشار إليه. وفي تاروت، من بيوت العُمد التي عُرفت، ولوقتٍ قريب، بيت (الخرمدي) – أبو أحمد – في حي الدشة، وهو أحد البيوت التي ارتبط اسمها بدور العمدة في الجزيرة، حيث أمضى شاغله أكثر من أربعين سنة ما بين مختارٍ وعمدة، في خدمةٍ متواصلة، بحسب ما هو موثّق ومتداول لدى أبناء البلدة.

وكان العمدة يمثّل دورًا اجتماعيًا مهمًا في وسط أهالي البلدة، بوصفه مصلحًا وناصحًا ومرجعًا عند الشدائد، وصاحب خبرة طويلة في معالجة الخلافات، وإصلاح ذات البين، وحل كثير من المشكلات التي تنشأ بين الأسر والجيران. ووفقًا لما يسوغه العرف التقليدي، كانت شخصية العمدة تُعد مرجعية اجتماعية نافذة، ذات رأيٍ وهيبة، وكلمته مسموعة ومحط احترام الأهالي.

وفي تلك المرحلة، كان العمدة يؤدي مهامه غالبًا بمفرده، متحمّلًا أعباء كبيرة، وفي ظل شُحّ المواصلات كان يتنقل بين البلدات التابعة لتاروت مشيًا على الأقدام. كما كان ارتباطه بالإمارة والشرطة مباشرًا، ويحمل ختم العمدوية للتصديق والتعريف، ويتواجد بين الناس في الأسواق والمجالس والمناسبات العامة. وكان من المتعارف عليه أن هذا الدور غالبًا ما يُسند لأسر بعينها بحكم الخبرة والتجربة الاجتماعية.

ومن مهام العمدة الاهتمام بشؤون الأهالي وتقديم المساعدة لهم، ومنها تصديق الأوراق الرسمية، ورفع أسماء المحتاجين من الأسر الفقيرة، والأرامل، والمسنين، والمرضى، وذوي الاحتياجات الخاصة، إضافة إلى المزارعين والبحارة وأصحاب الدخل المحدود، مع المتابعة لدى الجهات المختصة. كما كان للعمدة دور في الشؤون الأمنية والاجتماعية، من المصادقة على المواليد والوفيات، والإبلاغ عن الحرائق، ومتابعة الحراس الليليين (العسس)، وحصر زكاة النخيل مع لجنة الخراريص.

هكذا عرفتُ أبي (شهادة شخصية)

في هذا السياق العام لدور العمدة، يقدّم الكاتب شهادته بوصفه ابنًا لعمدةٍ سابق، حيث يقول:

إن والدي الحاج منصور محمد علي الخرمدي – أبو أحمد – ووالدتي الحاجة زهراء بنت حسن آل سالم – أم أحمد – كانا، كما عايشتهما، منخرطين في خدمة المجتمع، وقد كرّسا جزءًا كبيرًا من حياتهما لهذا الدور. وُلد والدي في حي الديرة بجزيرة تاروت، وعاش فيها قبل انتقاله إلى الدشة ثم الربيعية، وكان قبل توليه العمدوية تاجرًا له محل في الديرة.

وتم ترشيحه من قبل الأهالي، وحصل على تزكية عدد من أعيان البلدة والقطيف، من بينهم سماحة الشيخ عبدالحميد الخطي – رحمه الله – الذي أشار إلى ذلك في شهادة شخصية للكاتب. وقد تم تعيينه عمدة لتاروت وتوابعها عام 1377هـ في عهد الأمير سعود بن جلوي، بعد أن أمضى نحو أربعة عشر عامًا مختارًا، واستمرت خدمته في هذا المجال ما يزيد على أربعين عامًا.

وقد ورد ذكره في كتاب «تراث الأجداد» للدكتور جميل الجشي (ص 305 و420)، ضمن توثيق شخصيات اجتماعية من الجزيرة، كما تنتمي أسرته إلى عدد من العوائل المعروفة في تاروت، مثل المتروك والدبيس والحليو وآل عوجان والنطعة، وغيرها.

مشروع التوثيق

يشير الكاتب إلى أن هذه السيرة التفصيلية ستُجمع في كتاب قيد الإعداد، سيتناول مراحل حياة والده، ودوره في المجتمع، وعلاقته بالأمن والبلديات، والضمان الاجتماعي، والعسس، وأحداث الحرائق، وعاشوراء، والخطباء، والأهالي، والصلاحيات الرسمية التي مُنحت له، وشهادات من عاصروه، إضافة إلى ظروف تقاعده ووفاته عام 1418هـ.

خاتمة عامة

سقى الله ذلك الزمان، ورحم الله رجاله الذين أدّوا الأمانة وأخلصوا في خدمة دينهم، ثم مليكهم، ثم وطنهم ومجتمعهم، وحفظ الله هذه البلاد وقيادتها وشعبها من كل مكروه.


error: المحتوي محمي