شاركت الفنانة التشكيلية أم كلثوم العلوي بتجربة تركيبية عميقة ضمن النسخة الثانية من «إقامة دار القلم» التي ينظمها مركز الأمير محمد بن سلمان العالمي للخط العربي في جدة التاريخية، من خلال عملها الفني «ما وراء النور» المعروض في الاستوديو المفتوح بمدرسة الفلاح خلال الفترة من 8 إلى 12 يناير 2026، حيث أعادت عبر هذا العمل بناء العلاقة بين النور والمعرفة المتمثلة في حروفيات الخط المكي الموضوعة في طبقات متدرجة، بوصفهما جوهرين متداخلين في التجربة الروحية والبصرية.
واستندت هذه التجربة، التي تحمل توقيع فنانة مدينة صفوى بمحافظة القطيف، إلى تصور فلسفي يرى في النور حالة كشف وتجلي، وفي المعرفة فعل انبثاق يتجاوز المرئي إلى الباطن، فجاءت الحروفيات موزعة في طبقات متعاقبة لا تُقرأ بوصفها كلمات مركبة، بل بوصفها رموزًا مفتوحة تتيح للمشاهد أن يتأمل ويفكر ويصوغ دلالاته من مخيلته وإحساسه، في فضاء بصري يتحرر فيه الحرف من حدود النص إلى أفق المعنى.
تشكّل البناء المادي للعمل من خامتين رئيسيتين؛ الأولى حلقات ستيل ذهبية تدور في فضاء علوي، استلهمتها العلوي من حركة الطواف حول الكعبة بما تحمله من دلالات الدوران والمركزية والتوحّد حول نقطة نورانية واحدة، وقد رأت فيها محاكاة للدوران الروحي حول المركز، أما الثانية فهي حروفيات متدلية من الطبقات المعدنية، تمثل الحجاج والمعتمرين القادمين من بقاع الأرض المختلفة لأداء مناسك الحج والعمرة، في مشهد بصري يجسد وحدة القصد والاتجاه.
وتعاملت العلوي مع الحرف بوصفه رمزًا بصريًا لا كلمة مكتملة، فحرّرت المتلقي من القراءة المباشرة، وفتحت له مساحة للتأمل والتخيّل، ليعيد تشكيل الكلمات من داخله بدل تلقيها جاهزة، في تجربة تجعل المشاهد شريكًا في إنتاج المعنى لا مجرد متلقٍ له.
واختارت الفنانة عنوان «ما وراء النور» تضادًا مع «ما أمام النور»، موضحة أن النور في الحالتين يعبر عن الظهور والتجلي والحضور، غير أن الصيغة الأولى تحيل إلى المعنى غير المباشر وإلى ما يُستبطن خلف الضوء، وهو ما ينسجم مع طبيعة العمل القائمة على قدر كبير من الاختزال والترميز، حيث لا تُمنح الدلالة صريحة بل تُستدرج عبر طبقات من الرؤية والتأمل.
وجسّد هذا العمل إحدى المقاربات المفاهيمية التي ميّزت مشاريع الفنانين المشاركين في الإقامة، حيث أعيد تقديم الخط العربي ضمن أطر بصرية معاصرة تجمع بين الروحانية الإسلامية واللغة التشكيلية الحديثة، في فضاء يختبر الحرف لا بوصفه أداة كتابة فحسب، بل كيانًا بصريًا قادرًا على حمل المعنى والضوء معًا.



