20 , يناير 2026

القطيف اليوم

من حلة القطيف إلى فلك النور.. مصطفى العرب يدوّر الحرف في مدارات الضوء بجدة التاريخية

أخذ الفنان والخطاط العالمي مصطفى العرب القادمة من بلدة حلة محيش بمحافظة القطيف الحرفَ العربي إلى مدارٍ بصريٍّ جديد يتقاطع فيه الضوء بالفكرة واللغة بالكون، عبر مشاركته في النسخة الثانية من «إقامة دار القلم» التي ينظمها مركز الأمير محمد بن سلمان العالمي للخط العربي في جدة التاريخية، مقدّمًا عمله المفاهيمي الضخم «النقطة: فلك النور» ضمن الاستوديو المفتوح الذي يستقبل الزوار من 8 إلى 12 يناير 2026 في مدرسة الفلاح.

جاء اختيار العرب ضمن 10 فنانين وفنانات فقط من بين أكثر من 150 فنانًا من مختلف دول العالم بعد مسار تقييم ومتابعة فنية دقيقة، أشرف عليها القيّم الفني عبدالرحمن الشاهد وبمساندة القيّمة ليال القين، ليعكس هذا الاختيار المكانة التي بات يحظى بها الفنان القطيفي في مشهد الخط العربي والفنون البصرية المعاصرة.

قدّم مصطفى العرب في عمله «النقطة: فلك النور» تركيبًا نَحتيًا ضوئيًا يتكوّن من حلقات معدنية منقوشة بنصوص خطية تدور حول مركز مضيء واحد، في استعارة فلسفية لمفهوم «النقطة» بوصفها أصل الوجود وبداية الحركة، حيث تتحوّل الحروف إلى مدارات، ويتحوّل الضوء إلى زمن بصري، وتغدو الظلال المتكوّنة على الأرض امتدادًا للفكرة الكونية التي يحملها العمل.

استلهم العرب مشروعه من رحلة الحرف العربي عبر العصور، ومن مركزية كلمة «كُن» باعتبارها شرارة الخلق الأولى، ومن الهندسة الروحية التي تمزج بين الرياضيات والخيال والجمال، ليعيد تقديم الخط العربي ككائن بصري حيّ قادر على التحوّل والتجدّد والحوار مع الفنون المعاصرة والوسائط الحديثة دون أن يفقد جذوره التاريخية.

تلاقى مشروع مصطفى العرب مع بقية مشاريع الفنانين المشاركين في الإقامة، التي تنوّعت موضوعاتها بين استلهام العمارة المحلية للمنطقة الغربية وكسوة الكعبة، واستكشاف العلاقة بين الحرف والنور، وإعادة قراءة غرائب المرويات وحكايات التراث، والتجريب في الخطوط الطباعية الرقمية، وصولًا إلى مقاربات مفاهيمية تعيد تقديم الخط العربي ضمن أطر بصرية معاصرة.

تنوّعت الخامات المستخدمة في هذه المشاريع بين الأقمشة والطبقات النسيجية، والورق اليدوي، والأسطح الشفافة، والطباعة اليدوية، إلى جانب الوسائط الرقمية والتقنيات الحديثة، في تجارب أكدت اتساع آفاق الخط العربي وقدرته على التفاعل مع الفنون البصرية الجديدة ضمن فضاء إبداعي مفتوح.

احتضنت إقامة «دار القلم» برنامجًا إبداعيًا مكثفًا امتد ثمانية أسابيع، شمل ورش عمل تطبيقية، وجلسات تقييم فني، وحوارات معرفية، وجولات ميدانية، ولقاءات مع خبراء، ضمن بيئة محفّزة عززت التبادل المعرفي وطوّرت المسارات الإبداعية للمشاركين، حيث عُومل الحرف العربي بوصفه عنصرًا بصريًا وثقافيًا حيًا قابلًا للتحوّل والتجدّد.

اختزل مصطفى العرب في هذا العمل خلاصة عام 2025 الحافل بتمثيل المملكة في محافل دولية شملت الولايات المتحدة الأمريكية والهند وهونغ كونغ، قبل أن يدخل في إقامة فنية لمدة شهرين في «دار القلم» بالمدينة المنورة، ليحوّل ترحاله العالمي إلى فلسفة بصرية متجذّرة في التراث والهوية.

استهلّ الفنان عام 2026 بإطلاق «النقطة: فلك النور» بوصفه نقطة انطلاق جديدة لمشروعه الفني، مترجمًا خبراته الدولية إلى لغة فنية عالمية تنطلق من أصالة الخط العربي، وتستند إلى رؤية ثقافية تسعى لربط الجمال بالمعرفة، والتراث بالمعاصرة.

جسّد حضور مصطفى العرب في هذه الإقامة نموذجًا حيًا للدبلوماسية الثقافية السعودية، التي تمكّن الفنان من تحويل الحرف العربي إلى لغة عالمية، ضمن رؤية مركز الأمير محمد بن سلمان العالمي للخط العربي (دار القلم) في دعم الإبداع وتمكين الفنانين وإحياء الخط العربي كرمز حضاري متجدّد، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 في الثقافة والفنون.



error: المحتوي محمي