منذُ فَجر الخليقة، جُبلَ البشرُ على التباين؛ فلكلّ عقلٍ مَشرَبُه، ولكلّ قلبٍ وجهتُه، وما كانَ تلوّنُ الآراءِ إلا رديفًا لتلوّنِ الألسنةِ والألوان، بيدَ أنّا، وفي ممارساتنا الاجتماعية، شوّهنا صورة "الخلاف" حتى غدا في مخيلتنا وحشًا يهددُ أركانَ المودة، فصرنا نفرُّ منه إما بخصومةٍ فاجرة، أو بصمتٍ مُريب، متناسينَ أنّ "اختلافَ الرأيِ لا يفسدُ للودِّ قضية".إنّ الخلافَ في حقيقته ليس صدامًا، بل هو تدافعٌ يُحيي العقول ويُنضجُ الرؤى ولكن تبرزُ في مجتمعاتنا نماذجُ تجعلُ من الخلاف مأزقًا؛ فمنهم من يرى في وجهة النظر الأخرى "إهانةً شخصية" تستوجبُ الاستنفار، ومنهم من يسكنُ إلى "الخوف من المواجهة" فيُلبسُ انسحابه رداء الحكمة، بينما هو في الحقيقة يؤجّلُ انفجارًا لا مفرَّ منه. لقد غابَ عن أذهان هؤلاء أنَّ الخلافَ أمرٌ طبيعي، بل ومطلوبٌ لاستقامة الحياة، كما يقول الحق تبارك وتعالى: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ) لو تتبعنا أخطار الخلاف لقلنا: أنه لا يكمن الخطر في الخلاف ذاته، بل في "تفاقمه".هذا التفاقمُ يتغذى على الصمتِ السلبي الذي يوصدُ أبواب العتاب ويفتحُ أبواب الظنون، وعلى نقصِ الوعي بآداب الحوار، فحين يغيبُ التوضيح، يبدأ الخيالُ في نسج قصصٍ وهميةٍ من الإساءات، وتتحولُ ذرةُ التباين إلى جبلٍ من القطيعة، ولو صح استعمال المثل عند العرب قديمًا: "رُبَّ سكوتٍ أبلغُ من كلام"؛ لما صح في الخلافِ لأنه سكوتٌ يهدمُ ولا يبني.وظني أن أدوات العبور نحو بناء جسر أمر ممكن فتحويل الخلاف إلى جسرٍ للتواصل ليس ضربًا من السحر، بل هو مهارةٌ مُمكِنة لمن أراد صيانةَ المودة،تبدأُ أولى خطواتها بـ تهدئةِ النفس ونزعِ فتيل الغضب، ثم بالانتقال إلى التفهم وعدم الاندفاع؛ فالحكيم هو من يسمعُ ليفهم، لا ليردّ، كما أنَّ طلب المزيد من التوضيح يقطعُ الطريق على سوء الفهم، وطرد الظنون يُعيدُ الثقة إلى نصابها، امتثالًا لقوله عز اسمه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ)وفي عصرنا الحديث، تبرزُ ظاهرةٌ خطيرة، وهي عرضُ الخلافات وتصفيتها عبر شاشات الهواتف ووسائل التواصل الاجتماعي.إنَّ هذه المنصات "مقصلةٌ للمشاعر" فهي تجرّدُ الكلماتِ من نبرة الصوت الحانية، وتفقدُ الأعينَ بريقَ الاعتذار، وتسمحُ لخيال الطرف الآخر أن يبني صورًا مشوهةً ومسيئة بناءً على نصٍّ جاف؛ لذا كانت النصيحةُ على لسان أمير المؤمنين عليه السلام: "عَاتِبْ أَخَاكَ بِالإِحْسَانِ إِلَيْهِ، وَارْدُدْ شَرَّهُ بِالإِنْعَامِ عَلَيْهِ" فالمواجهةُ تحتملُ العِناق، أما الشاشات فلا تمنحُ إلا الجفاء.خاتمًا إنَّ الخلافَ ليس جدارًا نصطدم به، بل هو مساحةٌ لاكتشاف الآخر، فإذا ما جعلناه جسرًا، عبرنا من خلاله إلى فضاءاتٍ أرحب من التفاهم.



