في كل مناسبة عامة، هناك فئة لطيفة جدًا من الناس، طيبة القلب، حسنة النية، نقية النفس، لكنها تدخل المكان بثقة عالية وكأنها تقول، أنا حضرت، سجّلوا اسمي، والباقي خليه على الله وعلى حسن النية، أو باختصار الحالة المعروفة التي تختصر المشهد كله، وصلنا العرس ونسينا الكشخة في البيت.
هذه الحالة، لا خطأ فادح، ولا كارثة كونية، ولا بلاغ رسمي، فقط حالة طريفة من عدم الانسجام بين المناسبة والاستعداد لها، وكأن الدعوة كانت واضحة للجميع، بالتاريخ والمكان والوقت، إلا فقرة صغيرة جدًا سقطت سهوًا، وهي كيف نأتي.
الموضوع قبل أي شيء ليس ماديًا، ولا طبقيًا، ولا له علاقة بالبذخ أو البساطة، هو ببساطة سؤال منطقي جدًا، هل هذه مناسبة عامة مفتوحة، أم جلسة عفوية في الحي تنتهي قبل أن تبرد دلة الشاي، لأن الفرق بين الاثنين ليس في الكراسي ولا في الضيافة، بل في الرسالة التي تخرج للناس، وللكاميرا، ولمن سيشاهد الصورة بعد أسبوع، وهي في النهاية صورتنا التي نقدمها للآخر، والتي يفترض أن تليق بحضارتنا، وثقافتنا، ووعي مجتمعنا.
وهنا أقولها بوضوح وبابتسامة، لا من باب الوصاية ولا من موقع من يرى نفسه بلا أخطاء، فكلنا نخطئ ونتعلم، وهذه الملاحظة في الأصل وصلتني عبر متابعين وقراء القطيف اليوم الذين لفتوا النظر لهذا المشهد وطلبوا الكتابة حوله، لكنني آثرت أن أطرحها كمقال شخصي وليس كتقرير خبري، حتى لا تفهم خارج سياقها، وتبقى في إطارها الطبيعي، رأيًا قد أكون فيه مصيبًا، وقد أكون مخطئًا، وهي ملاحظة أقولها لنفسي أولًا، ثم لأبنائي، وإخوتي، وللأحبة.
في السابق، كان المجتمع شبه مغلق، والمناسبات محدودة، والعدسة نادرة، والصورة إن وجدت أصلًا، لا تغادر إطار الألبوم العائلي إلا بعد سنوات، ومع ذلك، لو عدنا خطوة إلى الوراء، سنجد الأجداد يحضرون المناسبات بزيهم المتكامل المعهود آنذاك، ثوب وغترة وهيئة تقول بوضوح: نحن هنا لأن المناسبة تستحق، لا لأننا مررنا صدفة.
والطريف أن ذلك كان في زمن شح الإمكانيات، لا كثرة الخيارات، لم تكن هناك متاجر، ولا ماركات، ولا عروض موسمية، ومع ذلك كان هناك وعي بسيط يقول إن المظهر جزء من الاحترام، لا ترفًا زائدًا، لذلك لن تجد في ذلك الوقت أحدهم يحضر حفل زواج وهو يقول خلها تمشي، ما حد داري.
اليوم تغيّر كل شيء، العلاقات تمددت، والمجتمعات انفتحت على بعضها، ومواقع التواصل أصبحت ضيفًا دائمًا لا يعتذر ولا يستأذن، تصور، وتنقل، وتعيد النشر، وتضيف تعليقًا قد يراه شخص لا يعرف عن المجتمع سوى تلك الصورة، ويكوّن رأيًا كاملًا خلال ثانيتين.
وهنا تبدأ الكوميديا، مكان مجهز، تنظيم جميل، ضيوف، برنامج، ثم تظهر الصورة، فيتساءل المشاهد وهو يقرب الشاشة، هل هذه لقطة من مناسبة عامة، أم اجتماع طارئ تم الترتيب له قبل خمس دقائق.
ومن المفارقات اللطيفة، والتي تستحق التوقف عندها بابتسامة، أن النساء في مجتمعنا غالبًا أكثر استعدادًا من الرجال في مثل هذه المناسبات، يتعاملن مع الحدث كحدث، يستعددن، يخترن، ينسّقن، ويحرصن على الظهور بمظهر يليق بالمكان والناس، بينما يأتي بعض الرجال بفلسفة عميقة جدًا تقول، المهم الحضور، نؤدي الواجب، وننجو من الصورة إن أمكن.
ولكي لا يفهم هذا الطرح على أنه دعوة للاقتداء أو المقارنة غير المنصفة، ومن باب العدل أيضًا، لا يمكن تجاهل أن هذا الاستعداد قد ينقلب أحيانًا إلى مبالغة غير محمودة لدى بعض النساء، إلى حد يتحول فيه الحدث من مناسبة اجتماعية إلى عرض أزياء غير معلن، وما يرافق ذلك من توتر ومقارنات وملاحظات جانبية قد تشعل حروبًا صامتة بين النساء أنفسهن، في مفارقة لا تقل طرافة عن الطرف الآخر.
ولو قرر أي شخص زيارة مناسبات عامة في (بعض) المدن أو المحافظات المجاورة، سيلاحظ الفرق فورًا، ليس مبالغة، ولا تصنعًا، بل انسجامًا واضحًا بين الحدث والمظهر، كأن الجميع اتفقوا دون إعلان أن الصورة النهائية تمثلهم جميعًا، لا شخصًا واحدًا فقط.
ولفت انتباهي بشكل عابر أن أكثر من كاتب في مجتمعنا تناول هذا الموضوع في عدة مقالات، لكن بنبرة خجولة جدًا، وكأن المقال كتب وهو يهمس، نلمّح فقط، نرفع الحاجب لا أكثر، لا نريد الاصطدام.
والحق يقال، المجتمع عمومًا مر بتحولات كبيرة، من وجود شركات النفظ، إلى قدوم ثقافات متعددة، إلى تغير أنماط العمل والحياة، وكل ذلك أثر طبيعيًا على الذائقة والملبس، لكن لو عدنا للصور التراثية، سنجد اهتمامًا بالمظهر حتى عند الأطفال، وكأنهم كانوا يدركون بالفطرة أن المناسبة، مهما كانت بسيطة، لها هيبتها وصورتها.
الخلاصة، وبكل محبة، ليست دعوة للتكلف، ولا لفرض ذوق موحد، ولا لتحويل المناسبات إلى عروض أزياء، بل دعوة بسيطة جدًا، أن نفرق بين المكان والمكان، وأن ندرك أن بعض المناسبات لا يكفيها الحضور وحده، بل تحتاج حضورًا يليق بها، ويليق بصورة المجتمع، أما غير ذلك، فستبقى بعض الصور تخرج لنا وهي تبتسم ابتسامة عريضة وتقول، النية طيبة جدًا، لكن المناسبة كانت تنتظر شيئًا إضافيًا، ولو بسيطًا.



