بدايةً، سؤال سأطرحه هنا: متى يتخلّص البعض منا من التبجّح والتعالي والغرور بلا حدود، وبأنهم أفضل وأقوى وأهم من غيرهم بعيون باهتة وقلوب جافة؟ والأدهى أنهم من الدرجة الأولى من العائلة الواحدة!
اعتدتُ دومًا أن يكون العنوان مفتاح النص، وواقعًا عنواني هنا يشي بالتحفّظ، ونفسي تطمح للأمان بما يتضمنه من تساؤلات عميقة باتخاذ مواقف وقرارات. ترددتُ بكتابة هذا النص لما فيه من أبعاد روحية وعاطفية، ولعل نصي هذا قد يتحول إلى نقد غير جاد، وما أكثرهم! وأنا أتحمّل تبعات جرأتي الأدبية، مدركةً بصوتي المبحوح عند الكتابة، حيث عقارب الساعة تزعجني بضجيجها. وإني أختنق كلما تذكرت أمرًا ما، ينتابني شعور حيّ وعميق بأني أتوجع بصمت. أتذكر أشقائي الثلاثة الذين رحلوا، وأشعر بالحسرة لفراقهم، ولا شعوريًا تسقط دموع ساخنة على وجهي.
إذا كنا نؤمن بأن للكون غايةً أسمى، فعلينا أن نؤمن بأن وجود أفراد العائلة في حياتنا مطلب حتمي لسبب وجيه. قد تكون هذه الأسباب واضحة لدى البعض، لكن بعضها الآخر قد يُشكّل تحديًا للبعض. ومع هذه الأسباب يمكننا البحث عن شيءٍ نتعلمه أو ربما نُعلّمه. في حياتنا، حيث يسعى البعض إلى أن يكونوا أفرادًا، يبتعد الكثيرون عن عائلاتهم في محاولةٍ للهروب منها، وهناك من يتنصّل من تلك العائلة دون انتماء. ولكن، عندما ننجح في بناء عالمٍ من حولنا لا يحتاج إلى مساعدة أحد، فإن عائلاتنا هي من تبقى على اتصالٍ بنا. واقعًا، إذا شعرتُ بضيقٍ مفاجئ، فورًا أهاتف أصغر إخواني سمير، وبعدها تهدأ نفسي. حيث لا يزال بإمكاننا اختيار ما إذا كنا نريد تكريم الروابط العائلية أم لا، ولكن الحقيقة تظل أننا مرتبطون بقوة بعائلاتنا التي تستحق منا، مهما تباينت المراكز ومستوى التعليم والوضع الاجتماعي وغير ذلك من الفروقات.
تضم بعض العائلات مجموعةً رائعةً من الشخصيات، ورغم إمكانية تشابه سمات ومزايا الكثيرين، إلا أن هناك طرقًا مختلفة للتعبير عنها. فعندما يتزوج الناس من عائلات أخرى وينجبون أولادًا، تتزايد الشخصيات. قد يكون هناك أشخاص لا نختار الارتباط بهم، ولكن هذا هو هدف التشبّث بالأصدقاء بطريقة ما لدى البعض.
ينبغي على عائلاتنا أن تساعدنا على فهم أصولنا لنتمكن من تحديد وجهتنا بوضوح أكبر. إذا تعلمنا تقبّل عائلاتنا كما هي، فسنخرج إلى العالم مسلّحين بالقدرة على التعامل مع أي شخص خارج نطاق الدائرة العائلية. بعض العائلات أفضل من غيرها في إعدادنا لمواجهة العالم. ما نتعلمه من عائلاتنا بشكل عام، «على نحو استثناء»، يُصبح أساس هوياتنا كأفراد. بدلًا من إنكار روابطنا، يمكننا اختيار تقبّل وجودهم في حياتنا. التقبّل لا يعني بالضرورة أن نُحبّهم، ولكن نحترمهم ونعترف بهم، بل نُقرّ ببساطة بأننا مرتبطون بهم ونُكرّم هذا الارتباط، لأن هناك سببًا، شئنا أم أبينا. عندما نُقدّر كل ما يُضيفونه إلى تجربتنا، قد نكون ممتنين لكل ما تعلمناه وسنتعلمه منهم، بينما نُجرّب كل ما يُصاحب العائلة بكل شمولية.
أدرك تمامًا أن الكثير منا يواجه أنماطًا عائلية سلبية، وفي أصعب العلاقات ينبغي التغلب عليها ومعالجتها، حتى الهجران والتمرّد والابتعاد عن بعضها في أصعب العلاقات العائلية، وبكيفية النجاح في خضم الخلل الأسري باستخدام ممارسات فعّالة يمكن لأي شخص إتقانها، من خلال التحفّظ وضبط النفس خطوة بخطوة، لنتعلم كيفية التخلص نهائيًا ممن يحمل مشاعر سلبية وسلوكيات سيئة ناتجة عن هذه العلاقات السامة على أسوأ وصف لها. ولعلها تساعدنا على:
· إعادة صياغة منظورنا ووجهة نظرنا.
· مشاركة احتياجاتنا ومشاعرنا وإدراكنا في هذا الشأن.
· وضع حدود صحية.
· الحذر واليقظة والاسترخاء الجسدي.
· والأهم الاحترام والاهتمام والشعور بالمسؤولية.
حينها ستخفف التوتر وتهدئ قلوبنا وأرواحنا. في النهاية، سنحصل على كل ما نحتاجه لتكريم أنفسنا، ومسامحة البعض من تلك الفئة، وإيجاد سلام دائم داخل العائلة. صدقًا، يدهشني الإنسان الذي يستطيع الوصول إلى حالة الانسجام التام مع الكون بما فيه عائلته.



