12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

وجع الفقد ودروس طريق البحاري

هي ليست أمًّا عابرة في خبر عابر، وليست رقمًا يضاف إلى سجل الحوادث أو نشرة الوفيات، بل أمًّا تشبه أمي، وتشبه كل أم خرجت من بيتها وهي تظن أن الطريق، مهما قسا، سيعيدها سالمة إلى من ينتظرها، مساء الأحد 15 رجب 1447هـ، عبرت هذه الأم طريق الملك فيصل في بلدة البحاري، ولم تكن تعلم أن تلك الخطوات القليلة ستكون آخر ما تمنحه الدنيا.

عندما وصلني الخبر، لم أستطع التعامل معه ككاتب، ولا كرئيس تحرير، بل كابن، كإنسان يعرف معنى أن تكون الأم هي الأمان الأول، والظل الأخير، والدعاء الذي يسبقك في الطريق ويعود معك إلى البيت، شعرت أن الفقيدة ليست امرأة لا أعرفها، بل أمي، أو أمًّا كنت أراها كل صباح، أو وجهًا مألوفًا مر بي يومًا وابتسم.

فقد الأم لا يقاس بزمن، ولا يخفف بعبارات التعزية، هو كسر داخلي لا يسمع صوته، لكنه يترك أثره في كل شيء، في البيت الذي كانت تعيش فيه، في الطريق الذي سلكته، وفي القلوب التي ستظل تنتظرها عبثًا، خرجت لحضور أحد المجالس، كما تفعل الأمهات كل يوم، ولم تكن تطلب من الدنيا سوى أن تعود.

أعرف هذا الطريق جيدًا، أمر به كثيرًا، وكل مرة أشاهد كبار السن وهم يحاولون عبوره، يتوقف الزمن في داخلي، أمسك المقود وقلبي على يدي، أراهم يترددون، يحسبون سرعة السيارات بنظرات مرهقة، ينتظرون لحظة مناسبة، وكأنهم يراهنون على ثوان قليلة للتخلص من الخطر، منظر يتكرر بصمت، ويكشف هشاشة الواقع أكثر مما تفعل أي تقارير.

وطريق الملك فيصل، بحكم طبيعته، طريق شبه سريع، صمم لحركة مرورية متدفقة، والتعامل معه يجب أن يكون مختلفًا عن الطرق المحلية المعتادة، عبوره سيرًا على الأقدام، في وضعه الحالي، يظل أمرًا بالغ الخطورة، مهما بدت المسافة قصيرة، وهذا توصيف للواقع لا يحمل لومًا للطريق ولا لتكوينه، بقدر ما هو دعوة للوعي والانتظار.

الحديث عن السلامة هنا ليس تنظيرًا، ولا ترفًا صحفيًا، بل نداء من القلب، الطريق، بوضعه الراهن، لم يهيأ بعد لعبور المشاة، وأي استخدام له خارج هذا الإطار يحمل مخاطره، ويجب الانتظار حتى يتم تأهيله، وتستكمل المعالجات التي تنظم عبور المشاة، هو الخيار الآمن للجميع.

وإلى أن تتخذ الجهات المعنية ما تراه مناسبًا من حلول تنظيمية أو هندسية في الوقت الذي تراه، تبقى السلامة مسؤولية مشتركة، تبدأ من وعي المشاة، وتتطلب من السائقين أعلى درجات الانتباه والحذر داخل النطاق العمراني.

فالسائق، كما المشاة، شريك في معادلة الأمان، والطرق، مهما اتسعت، تظل محاطة بحياة يومية تتحرك على أطرافها، ما يستدعي سلوكًا أكثر هدوءًا ومسؤولية.

أكتب اليوم بوجع الابن لا بقلم المحرر، وأرجو رجاءً صادقًا من كل أب وأم، امتنعوا عن قطع هذا الطريق، وانتظروا حتى يكون مؤهلاً وآمنًا للعبور، فالحياة أثمن من أي اختصار.

وأرجو من كل ابن وابنة، أمسكوا بأيدي آبائكم وأمهاتكم، وحثوهم بلطف وإلحاح، وذكروهم أنكم لا تحتملون فكرة فقدهم، وأن الانتظار، مهما طال، أهون من ندم لا يحتمل.

هذه الكلمات ليست دعوة للمحاسبة، ولا محاولة لاستدعاء الألم، بل بكاء مكتوب على أم رحلت، وتعزية صادقة لأهلها، وتذكير نابع من خوف حقيقي على أمهات ما زلن يعبرن الطرق كل يوم.

رحم الله الفقيدة، وجعل مثواها الجنة، وحشرها مع محمد وآل محمد، وجبر قلوب أهلها، وحفظ أمهاتنا جميعًا من كل سوء، وأعادهن دائمًا إلى بيوتهن سالمات.


error: المحتوي محمي