12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

أدر طرفك إليَّ.. "2"

   لم يكن هو الأول في قائمة الذين غادروا، من كانوا هُنا ذات يوم، يرتشفون الليمون البارد، في هذا الجو الحار، وهذه الرطوبة. 

 أخذت زينب ابنتها ريم من منزل خالتها، بعدما ألحت عليها للذهاب إلى منزلهم؛ كي تلعب مع ابنتيها فاطمة وزينب. دائمًا تلح عليها كلما أصابها الملل، وهذا الشعور يأتيها بعد الانتهاء من مُذاكرة دُروسها. فهي لا تقضي على الأجهزة الإلكترونية إلا ساعة واحدة يوميًا، ولا تلعب بألعابها كثيرًا. وحُجتها أنها تستوحش اللعب لوحدها.

 وضعت زينب في جدول التزاماتها اليومية وقتًا تمنحه لابنتها؛ تلعب معها، وتعيد براءة الطفولة إلى وجنتيها ورُوحها؛ لتُشعرها بأنها صديقتها، وتملأ من خلاله وحدتها؛ لتُعوضها عن غيابها المُستمر؛ وذلك بسبب عملها المُتقلب الذي يفرضه العمل في المُستشفى. هي تُدرك أن هذا الوقت لا يُمكنه أن يُعوّض غياب من يُؤنسها مهما حاولت ذلك. هي الحقيقة التي تُؤرقها، وتجعلها أسيرة في دائرة اللوم، تقذفها الأفكار عبر غابة مُظلمة لا سبيل إلى الخروج منها، حيث لا ضوء، يبزغ في الأفق.

 تمضي الأيام، ولا جدوى من إقناع زوجها أحمد بضرورة الإنجاب، فهو لا يُولي هذا الأمر اهتمامًا، جُلَّ وقته مُبتعد عن أسرته، فلا يُشعرهم بالدفء، ولا يهتم بالجوانب التربوية، مُركزًا كل اهتمامه على توفير حياة رغيدة لأسرته، فكل ما تحتاجه يُوفره لها بلا كلل أو ملل. فهل هذا يكفي؟!، وهل تُغني الحياة الرغيدة عن دوره الأساس في التربية، وتكوين أسرة متكاملة؟!

طبعًا لا. إن الإشكالية تكمن في فهم الأسرة، ومعرفة مكانتها نفسيًا واجتماعيًا..، والدور الحقيقي الذي ينبغي أن يُمارسه الزوجان.

 ينظر أحمد إلى الحياة الأسرية، بأنها تعتمد على توفير العيش الرغيد للأسرة. فهو يركز على الجانب المادي، ويقضي جُلَّ وقته في كسب المال من خلال العمل التجاري، فتراه مسافرًا؛ لعقد صفقات لبضائع، يقوم باستيرادها، أو يُتابع سير العمل بنفسه. وإن كان معهم، فهو على الدوام مشغول بما هو أهم بحسب ما يراه.

 مُنذ الصباح الباكر، إلى الساعة الحادية عشر ليلًا، لا يجلس معهم إلا في الوجبات، وأحيانًا، يسقط وجبة، والتي غالبًا تكون وجبة العشاء؛ لانشغاله، ناهيك عن النوم بعد الغذاء، كما يقول دائمًا، عندما تتذمر زوجته من عدم جلوسه معهم، وعلى الأقل بعد الغذاء، وارتشاف القهوة، تبادل الأحاديث، والجلوس مع ريم، لكنه يعتذر؛ لأهمية "القيلولة"، بالنسبة إليه.

 سنوات مضت، ولم تُدرك حقيقة تصرفاته، وولعه بالعمل، والذي أصبح شغله الشاغل. لم تتح لها الفرصة؛ لفتح الموضوع معه، حيث أن مثل هذه المواضيع تتطلب وقتًا مُفعمًا بالهدوء، الاسترخاء الذهني والروحي، حيث تكون الروحان في انسجام شبه تام، جلسة تقودها الحميمية، إلى الغرق العاطفي، وعبره يتقبل الآخر بكله. هاجس خوفها على ريم، وتدهور نفسيتها يومًا بعد يوم أرقها، خُصوصًا أنها أصبحت في مرحلة حساسة، تحتاج إلى من يكون معها، يُشاركها انفعالاتها النفسية، وملء الفراغ الروحي. تحتاج من تبوح إليه بما يجول في خاطرها، وما تستدعيه أفكارها، من يأخذ بيديها إلى احتضان كينونة مرحلتها العمرية. 

 وفي المساء، على مائدة العشاء، كثيرًا من تسأل ريم عن والدها، وكعادتها تُحاول زينب أن ترسم له صُورة الرجل المُتفاني الذي لا يكل ولا يمل في سبيل توفير العيش الرغيد إلى أسرته. وحين تتذمر ريم من غيابها طوال النهار في المستشفى، وبقاءها وحيدة، أو في منزل خالتها، تُجيبها بلغة يشوبها الاعتذار؛ لتلتمس منها العذر؛ لتقصيرها، وتعدها بأنها ستجد حلًا قريبًا، تكون فيه إلى جانبها، ولا تتركها رهينة الوحدة. إن جلوسها بمفردها يجعلها دائمًا، تستسلم إلى النوم، ليس طواعية، ولكنه يأتيها ذات غفلة من الصحو، والذي يفرضه الفراغ الذي تُعانيه.

 ومن فرط الجهد الذي بذله، غفت عيناه على مكتبه، والقلم بين أصابعه. وفي الساعة الرابعة مساء، جاءه اتصال من زينب التي هرولت إلى هاتفها النقال؛ لتخبره بأن يذهب إلى ابنته، ويقوم بإحضارها إلى الشقة؛ مُعتذرة إليه؛ لأنها مُضطرة إلى البقاء في المستشفى؛ لإجراء عملية جراحية إلى شاب أصيب في حادث سير. تفاجأ باتصالها في هذا الوقت الذي تخرج فيه من عملها، وإحضار ابنتها. لم يُمانع على مضض، والذي لم يُبدي اعتراضًا في كلماته، بينما قضب حاجبيه. أغلق الملف بين يديه، وباذر فورًا إلى الخروج؛ لإحضارها.

 بعد ركنه سيارته في المواقف المُخصصة، صعد السّلم إلى منزل أختها، طرق الباب، فتح له زوج أختها، وبعد الترحيب به، طلب منه إحضار ريم، مُعتذرًا عن الدخول؛ لانشغاله. تفاجأت ريم لقدومه، حيث اعتادت على والدتها، تأتي لأخذها، وما إن وقعت عيناها عليه، هرولت إليه؛ لتحتضنه، وكأنه غائب عنها في سفر، حيث لا تراه إلا في الوقت الضائع من اليوم، إن كانت مستيقظة، وأحيانًا كثر لا تراه؛ لأنها تغط في نوم عميق عند رجوعه.

 وفي المساء، عند الساعة العاشرة، عادت زينب من المستشفى، تجر جسدها المنهك، وأنفاسها المتقطعة. وجدته جالسًا على الأريكة، ألقت عليه السلام، فأجابها ببرود قاسٍ، يدل على امتعاضه، لم يستطع إخفاءه، فعرفت أنه مُنزعح من تأخرها، بالإضافة إلى ذهابه إلى منزا أختها، وتعطيله عن إنجاز أعماله، هكذا حدثت نفسها. ظلت واقفة تُحدق فيه، استأذن منها؛ ليخلد إلى النوم، بحجة أنه غدًا لديه أعمال كثيرة، عليه أن يُنجزها. في تلك اللحظة اختنقت بعبرتها.


error: المحتوي محمي