بُني..
ها أنا، وبين يديّ رسالتك، تهنئة بالعام الجديد. قرأتها بقلبي قبل عيني، ولكن اليراع تعجب مني، فقد ألهمتني كلماتك. وهذه المشاعر التي أحسست بها، بأن أكتب إليك تهنئة، فحِرت ماذا أكتب؟
هل أكتب تهنئة، لغتها التهنئة، أم أكتب ما يلج في قلبي. فأستذكر لحظات العام المنصرم، وأختصرها في بضع كلمات؟
هل أجعل تهنئتي بهذا الأسلوب -بما يلج في قلبي-، والذي من خلاله أبثها آهاتي لما قاسيته فيه. وأهديك نصائح وتوجيهات في هيئة ما كُنت أهواه وأمارسه فيه؟
عزمت على الخيار الثاني. وها أنا أكتب إليك تهنئتي باللغة التي أعشقها، والأسلوب الذي أتمناه. والمعنى الذي يغسلني كلما احتجت إلى الماء؛ لأكون نقيًا.
عام مضى..
تشربت تفاصيله، وكان من أجملها اتخاذ قرارًا، كُنت أحمله بين ضُلوعي لأعوام. فيه أشرقت بوادره، ومشيت معها نحو تحقيق حُلمي، وما أتطلع إليه. عام كان تجربة في علاقتي بالإنسان. بعضها، ينعم بطعم الفستق ورائحة الليمون، أناس دخلوا حياتي من أوسع أبوابها، ومن أضيقها، جاؤوا بلسمًا لكل هذه الأوجاع التي غرست أظافرها في قلبي، بنظرة حانية تحتضنني، وعقل يستوعب عقلي، ويُشارك أفكاري. أناس، أشتاقهم ولايزال، هم الظل والضوء، تأنس بوجودهم في حياتك، ولا تتخيل يومك دون طلتهم، والإصغاء إلى كلماتهم، والسؤال عن أحوالهم.
عام مضى..
أشكر فيه المواقف التي اختصرت عليّ كثيرًا من الأيام التي أضعتها برفقة من لا يستحق هذا الوقت والاهتمام، وهذا الحب الكبير. عام هو المصارحة مع الذات، أدركت فيه أن بعض ه العلاقات وقتية، تُعرف نهايتها فور انتهاء المصلحة، وإيجاد البديل إلى المرحلة، والمصلحة الآنية التي تتطلبها. عام أهديه الشكر والامتنان، وأفتخر عبر أفوله، وبزوغ العام الجديد؛ أني كسرت مثل هذه العلاقات، وأن الوحدة أبهى وأجمل منها.
عام مضى..
أيقنت فيه أن الإنسان بالاستغناء أقرب إلى نفسه. وتعلمت أن الكتاب والقراءة، أجمل من كثير من العلاقات التي لا تُضيف سوى الهرج والمرج، والقلق والتوتر. عام حلمت فيه بأشياء كثيرة؛ بعضها تحقق، وبعضها لايزال يُعانق غيماته؛ ليتحقق. عام تعلمت فيه أن من يُحبك اليوم، قد يُبغضك غدًا، والفيصل أنه ينظر إليك من خلال ما يُريد منك -لا أكثر-، فلا تظن أنه يُبادلك نفس المشاعر والأحاسيس التي تُغدقها عليه.
عام مضى..
أيقظني؛ لأدرك أن ما أملكه في داخلي، وما أتمتع به، هو شخصيتي التي أتمسك بها في تعاملي مع الآخرين؛ فليست القيمة للإنسان بغيره، ولكنها تكمن فينا. لذا من أراد الخروج من حياتنا، قلنا له "أهلًا وسهلًا"، ليس غُرورًا، بقدر أنه تقديرًا؛ لأنها علاقات وقتية، لا تمتلك القيمة الحقيقية؛ لتستمر. عام تعلمت فيه أني لا أملك وقتًا؛ لأضيعه، وليس لي القدرة أن ينهشني الندم لهذا الضياع مُجددًا. عام أنصفني كثيرًا؛ لأنه أوجعني؛ لأفهم، وأغدق عليّ بنصائحه؛ لأستقيم.
عام مضى..
استوعبت فيه أن الصبر نجاة من كل سوء، وطرق للنجاح والظفر. كم آلمني الصبر، والصمت الذي يعتريني؛ ليشتد عودي، فأحدق في مكان بلا ضوء، أحدق بقلبي؛ فأبصر ما لا أراه، كشيء ألمسه، لكنه يحتويني بعاطفته الجياشة؛ فيلبسني. وأقرأ الفعل بأزمنته الثلاثة: ماضيًا وأمرًا؛ لأعانقه مُضارعًا. وفيه عشقت الصبر، فصار راحتي، وسكينتي، وتأملي الشفيف، ينسكب، كالعسل على روحي.
بُني..
مُبارك عامك الجديد، وأمنياتي أن يكون حافلًا بما يطيب له قلبك، وتأنس به رُوحك..



