12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

تأمُّلات في قانون الطاقة

ربما سمعت أهل الفيزياء يقولون إن الطاقة لا تفنى ولا تنعدم ولا تُستحدث من العدم، بل تتحول من شكل إلى آخر وأن مقدار الطاقة الناتجة يساوي مقدار الطاقة المتحولة. نفس هذا الكلام يطبقونه بتفاصيله على المادة، من زاوية التناسخ والتمازج بين المادة والطاقة، مع أن كل مادة طاقة وليس كل طاقة مادة. 

وبالمقابل فإن في تراثنا الإسلامي هذه الآية الكريمة: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾، مضافًا إليه هذا التوضيح من الزهراء -عليها السلام- بأنه قد (ابتدع الأشياء لا من شيء كان قبلها).

نريد هنا أن نقارن بموضوعية وحياد أفق التوافق والتباين بين المدرستين بغية رفع اللبس عمن يظنّ أنّ ما بين الاتجاهين تكمن ثمة خصومة، وأنّ أحدهما مناقض للآخر.

التأمّل الهادئ يكشف أنه واقعًا لا يوجد خلاف في كنه المفهوم والتعريف، إنما التباين منحصر في مقدار زاوية النظر، وفي مستوى التطبيق.

بالالتفات إلى أن قانون بقاء المادّة والطاقة من جهة أنه لا يمثل في جوهره بيانًا ميتافيزيقيًا، وأنه لا يرتقي إلى الادّعاء بأزلية الكون. على العكس فإنّه يسعى للتمحور حول وصف ديناميكي لسلوك الأشياء داخل النظام الكوني القائم أصلًا. بمعنى أدق، ما دامت قوانين الكون تعمل، فإنّ الطاقة لن تختفي، ها هي ذي في تحوّل وحركة جوهرية دائمة؛ وبهذا القيد فإن المادّة لا تزول، بل على العكس من ذلك إننا نجدها تنتقل من صورة إلى أخرى، مع بقاء مفهوم ابتداع وديمومة وفناء المادة كمحصلة وكنتيجة طبيعة لهذا الكم من التحول والتحور والتمحور الشكلي الخارجي.

على سبيل المثال، مع أن الخشب يحترق فإنه بالطبع لا يفنى، يصير حرارةً، وضوءًا، ورمادًا، وغازًا. والجسم لا يختفي بالموت، مع كون عناصره قد تحلّلت، إلا أنها تعود إلى الأرض التي كان قد خلق منها (مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى). نتمنى أن يتضح للقارئ العزيز الآن أن معنى الفناء هنا بعيد عن كونه عدمًا مطلقًا محضًا، إذ ها هو يتمظهر في تبدّل الوظيفة والصورة الخارجية مع البقاء والمحافظة على اللب والجوهر.

بالمقابل فإن آيات القرآن الكريم، تتجاوز الحديث عن التحوّلات الواقعة داخل النظام نفسه، لتنتهي بالإشارة إلى مصير النظام برمته. حين يقرر ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾، عندها يتخطى نقاش الكيمياء والفيزياء، إلى وضع خطًّ فاصل بين ممكن الوجود (وهو جميع المخلوقات) وواجب الوجود (وهو الله سبحانه وتعالى).

معضلة الفيزيائيين هي أنهم يدورون في فلك محصور بحدود الكون، لذلك بالنسبة لهم وهم يقبعون في أسر هذا الظرف الكوني الضيق ساغ لهم القول مجازًا بأن لا شيء يضيع أو يفنى. على الضفة الأخرى فإن أطر القرآن الناظرة إلى كل ما اشتمل عليه عنوان أنه مخلوق لله -عز وجل- بما في ذلك الكون نفسه، فإنه لا شيء يبقى وإن كل موجود فهو صائر إلى زوال، وبهذا تتلاشى الشبهة. 

في الوقت الذي يصف فيه قانون الطاقة ما يحدث من تحولات بعد الانفجار العظيم، تقرأ قول الحق سبحانه: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، مقررًا أن مصدر الابتداء والخلق هو ذاته سبحانه. أوجد الكون في تلك اللحظة التي لم يخلق فيها بعد أي نظام أو قانون، ثم كان كل شيء بقدرته وحكمته. وعليه نلخص فنقول بأنّ قولهم أن الطاقة لا تُستحدث من العدم، كلام صحيح في خصوص حيطان المختبر، مع افتقاره أي سلطة في تبيين حوادث ومتعلقات ما قبل بداية نشأة المختبر نفسه. انظر للعلم وهو يبرز عجزه عن أن يوجد أي نوع من أشكال طاقة يوجدها من العدم, مع نفيه الادعاء بأن الطاقة لم تُخلق أصلًا.

إنّ عجز العلم عن الاستحداث هو في حد ذاته شاهد على الافتقار، فالكون نظام مغلق، لكنّه ليس قائمًا بنفسه. قوانينه تحفظه وتسيره طبقًا لسنن الله في الكون، ولكنها لا تستطيع أن تُنشئه من لا شيء. ثم إنّ الهلاك في الآية لا يعني العدم العدميّ كما يتصوّره الذهن المادّي، بل يعني الزوال عن الاستقلال عن الله. أي أن كل ما سوى الله فوجوده متعلق على الله، محتاج إلى الله، مؤقّت ومفتقر لله، حتى وإن استطال به العمر أزمانًا ودهورًا.

الطاقة نفسها وهي متجللة في أبهى صورها، لا تمتلك الادعاء بأنها باقية بقاء ذاتيًا. على العكس تمامًا فهي محكومة، مضبوطة، مسخّرة، تتحرّك بأمر الله، وتتوقّف عند نهيه، وستفنى منظومتها وستتلاشى كأن لم تكن، في الوقت الذي يريده الله، عندما يحين أجلها المسمى.

هكذا يتجلّى لك الفرق الدقيق والجلي بين الفيزياء التي تؤطر البقاء الوظيفي، والمدرسة القرآنية الناظرة إلى البقاء الوجودي.

الأوّل بقاء في الصورة والشكل، والثاني بقاء في عين الحقيقة، من دون أدني تنازع بين النظرتين.

ختامًا نقول: مع أن الطاقة لا تفنى داخل الكون، وبسبب أن الكون نفسه ليس واجب الوجود، ترتب على ذلك أن كل ما كان ممكنًا، فهو هالك من حيث ذاته، وأنه لا يزال موجودًا قائمًا ما دام مستمرًا بتلقي الفيوضات الوجودية من الله سبحانه.


error: المحتوي محمي