في كثير من الأحيان عندما اسأل ابني -سلمه الله وأبناء القراء الأعزاء- عن رأيه في شيء ما، أو وجبة مفضلة لذيذة تلاقي استحسانه وتتماشى مع رغباته يكون جوابه "سهلة وكلش طيبة"! لا أعلم من أين اقتبس هذه العبارة، هل هي من أحد المسلسلات التليفزيونية؟ أو أحد صُناع المحتوى على وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة؟ فالبعض منهم لا يزال يقدم محتوى مفيداً ونافعاً ويستحق المتابعة.
أحد الزملاء القدامى -سلمه الله من كل سوء- كثيراً ما يقول ممازحاً "فلافل القديح لذيذ ومميز في نكهته لكن ينقصه إضافة طحينية وسلطة ومخلل"! أيها العزيز: إذا جمعت كل هذه المكونات في قطعة خبز واحدة، فحتمًا لن تكون سندويشة فلافل قديحية أصلية (سهلة وكلش طيبة). لا شك أن ما ذكرته من مكونات، ستُعطي نكهة إضافية وطعمًا لذيذًا لمن يعشقها، فالناس أذواق لكنها ستُغير من هوية فلافل القديح كما عرفه الجميع (رخيص ولذيد)، فلكل مجتمع طريقته وثقافته الخاصة في تحضير وأكل الفلافل.
أشياء كثيرة من حولنا يَكمن جمالها في بساطتها وعفويتها بعيداً عن التكلف الزائد والتصنع والتعقيد غير المُبرر، فالبساطة صفة جميلة في كثير من المواضع ومُحَببة وتبعث في النفوس الهدوء والسعادة، فعندما يكون تقييمك للامتحان أنه بسيط، فيتوقع منك أن تكون في حالة مزاجية جيدة لأنك بذلت جهداً أقل من المتوقع وحصلت على درجات عالية. الشعور بسهولة الامتحان هو شعور يقتصر فقط على أولئك الذين اجتهدوا واستعدوا بشكل كاف لتخطي أصعب الأسئلة. أتذكر في أول محاولة لي لقيادة السيارة، قبل أكثر من ثلاثة عقود من الزمن وقتها كانت الثقة مفرطة، فلم تكن القيادة بالأمر الصعب من الناحية العملية حتى مع أول محاولة، لينتهي مشوار التدريب على القيادة بالاصطدام بسيارة أحد الجيران أثناء محاولة ركن السيارة، فالسهولة لا تعني التهاون وعدم التركيز.
وفي مواضع أخرى، ننعت فُلانًا من الناس بأنه شخص بسيط ويُشعرك بالارتياح من أول لقاء، إنسان متواضع غير مُتكلف في هندامه ويتصرف بشكل طبيعي وعلى سجيته، ويستخدم كلمات واضحة ومفهومة بعيداً عن الفلسفة ويتعامل مع الآخرين بكل عفوية واحترام وصدق وشفافية، بغض النظر عن المستوى الاجتماعي فيَصُب كُل تركيزه على الجوهر بدلاً من المظهر. في حوار جانبي مع المدام "شكل الطبخة عنصر واحد من بين عدة عناصر، لماذا التركيز فقط على القشور المتمثلة في الشكل الخارجي وتجاهل بقية العناصر كالطعم والمكونات والجهد المبذول؟" فالطعام للأكل وليس التصوير والتباهي! هذا لا يعني عدم إعطاء المظهر الخارجي أهمية بداعي البساطة ولكن الاعتدال والوصول لمرحلة القبول أمر مطلوب.
البسطاء يلقون قبولا كبيرا في المجتمعات، ويحظون باحترام وتقدير الجميع. فالبساطة لا تعني العجز أو النقص أو عَدم المقدرة كما ينظر لها البعض من الناس، بل هي قناعة وعمق ثقافي في الفهم والتركيز على الجوهر دون سواه من العوامل، لذلك البساطة هي سمة يتمتع بها الكثير من العظماء والأثرياء والمفكرين. فالبساطة من منظور أهل البيت (عليهم السلام) ليست مجرد الزهد في المأكل والملبس، بل نهج حياة متكامل يحمل في طياته التواضع وتقدير الذات والنعم، والتركيز على العطاء والإيثار وإدارة النفس وتربيتها على مكارم الأخلاق. روي عن أمير المؤمنين الإمام علي عليه السلام أنه قال "اتضع ترتفع".
في بعض الأحيان يأخذنا الشوق والحنين إلى الماضي الجميل حيث البساطة كانت عنوان الحياة ومصدرًا للسعادة، السهولة في التعاملات اليومية دون رسميات ونمط حياة يعتمد على الاستمتاع بكل ما هو مُتاح وبكل لحظة على طبيعتها، بعيداً عن المبالغة والوقوف عند تفاصيل لا تضيف، والمقارنات مع الآخرين والتسابق نحو كل ما هو جديد حتى وإن لم يكن مفيداً أو وجود حاجة لاقتنائه. ليس بالضروري أن تشتري من أشهر المتاجر وأغلى الماركات لتكون سعيداً، فقد تكون أسعد اللحظات وأكثرها جمالاً تُخلد في الذاكرة على مر السنين تكمن في جلسة عائلية بسيطة يسودها المودة والمحبة أثناء متابعة أحداث مسلسل "رقية وسبيكة"!
البساطة لا تعني العيش في قوقعة الماضي، فلم يعد اللهو بالرمل والحصا خياراً للترفيه، كما لا يمكن الاعتماد على مسحوق القهوة لوقف نزيف الدم وتجاهل التطور العلمي في شتى مجالات الحياة والطبي على وجه الخصوص. الحمد لله نحن ممتنون لتواجدنا في هذه الحقبة الزمنية، حيث بلغ التطور العلمي ذروته، والتكنولوجية سُخِّرت لخدمة البشرية وأصبحت الكثير من الأمور أكثر سهولة وراحة مما كانت عليه في الماضي. مواكبة التطور والتعايش مع متطلبات العصر شيء جميل، شريطة عدم تجاوز الخطوط الحمراء المتمثلة في القيم والمبادئ والحفاظ على الهوية. لا شك أن استخدامك الأمثل لطاقتك في الأشياء التي تضيف جمالاً وقيمة حقيقية لحياتك وحياة الآخرين سيجعلك بإذن الله تعيش حياة "سهلة وكلش طيبة".



