في امتداد المشهد البصري الذي ترسمه النسخة الثالثة والعشرون من المعرض الجماعي السنوي «نبض»، تتكامل مشاركات فنانين وفنانات آخرين ضمن نسيج تعبيري واحد، تتقاطع فيه الذاكرة مع الروح، والحنين مع التأمل، والإنسان مع المكان، في أعمال لا تبحث عن وحدة شكلية بقدر ما تنصت لنبض داخلي مشترك، يجعل من اللوحة مساحة اعتراف، وملاذًا شعوريًا، وأثرًا إنسانيًا مفتوحًا على التأويل.
الشوكان
تقدّم الفنانة زهراء عبدالله الشوكان عملها المعنون «خَلَم» بوصفه حالة وجدانية تتأرجح بين الهدوء والتأمل والانغماس في الداخل. في هذه اللوحة، تبدو الشخصية مغمضة العينين، منسحبة من الضجيج الخارجي، محاطة بلغة لونية هادئة وخطوط منسابة، وكأنها تستسلم لتيار شعوري يجمع بين الشجن والأمل. العمل لا يقدّم سردًا مباشرًا، بل يترك للمتلقي مساحة الدخول في الحالة، حيث يصبح الصمت عنصرًا فاعلًا في التكوين، وتغدو اللوحة لحظة توقّف أمام الذات.
المغيزل
تستدعي الفنانة حواء علي صالح المغيزل النخلة بوصفها رمزًا مكانيًا وثقافيًا متجذرًا في الذاكرة المحلية، وتقدّمها في عمل تشكيلي يتجاوز التوثيق البصري إلى البعد الرمزي. النخلة هنا ليست مجرد عنصر طبيعي، بل استعارة للصعود، والصبر، والارتباط بالأرض، في مشهد تتداخل فيه السماء مع الحركة، وتتناثر فيه العناصر وكأنها شظايا حلم أو محاولات تحليق. العمل يفتح أفقًا للتأمل في العلاقة بين الإنسان والمكان، وبين الجذور والطموح.
آل جضر
في عملها «الأمان»، تمضي أفراح آل جضر إلى مساحة وجدانية شفافة، مستخدمة وسائط متعددة تمزج بين الألوان المائية والذهب والقماش، لتصوغ لوحة تحتفي بالاحتواء والدفء. تختار الفنانة أن تترك العمل بلا وصفٍ مباشر، إيمانًا منها بأن المعنى يتشكّل في عين المتلقي، وأن الصمت أحيانًا أبلغ من الشرح. اللوحة تحيل إلى فكرة البيت، وحضن الأم، والملاذ الآمن، وتحوّل الفقد والرحيل إلى أثرٍ جميل، يلمع بهدوء كألوان الطبيعة والسماء.
العقيلي
يقدّم الفنان عبدالله سعيد العقيلي عملًا محمّلًا بالزمن والحنين، حيث تتجسّد امرأة تسير مثقلة بالذاكرة، في لوحة تختزن تفاصيل حياة كاملة داخل حركة جسد واحدة. الألوان المائية، والزي الشعبي، وتفاصيل القماش، تتحوّل إلى إشارات بصرية تستدعي الذاكرة الجمعية، وتمنح العمل بعدًا إنسانيًا عميقًا. «خطوات الذاكرة» ليست مشهدًا عابرًا، بل سيرة مختزلة، تراقب الزمن وهو يمر، وتحتفظ بأثره دون ادّعاء.
الجشي
في عملها «نور الإيمان»، تستحضر الفنانة الزهراء سامي الجشي لحظة روحية خالصة، يتجلّى فيها الضوء بوصفه رمزًا للهداية والسكينة. يجلس الرجل في حضرة المكان، غارقًا في نور سماوي ينهمر من الأعلى، بينما تتكاثف الزخارف الإسلامية من حوله، في توازن بين الأرض والسماء. اللوحة لا تقدّم الضوء كعنصر بصري فقط، بل بوصفه حالة روحية، تعكس صفاء اللحظة وصدق الاتصال.
أبو الرحي
أما الفنانة أفراح حسين أبو الرحي، فتقدّم في «استراحة الروح» قراءة إنسانية لحالة التعب والانتظار، عبر مشهد رجل يستلقي عند عتبة بيت شعبي، بقدمين عاريتين، في إشارة إلى الإرهاق الجسدي والنفسي بعد رحلة طويلة. العمل يوظف الظل والنور لخلق توازن بصري يعكس الأمل رغم التعب، ويجعل من المكان الشعبي رمزًا للأمان والطمأنينة وعودة الذكريات.
وتكشف هذه الأعمال مجتمعة عن تعددية في الأساليب واللغات البصرية، لكنها تتلاقى عند جوهر إنساني واحد، يتمثل في تحويل اللوحة إلى مساحة إصغاء للداخل، ووسيلة للتعبير عن التحوّل، والذاكرة، والبحث عن المعنى. لا تتشابه التجارب في الشكل أو التقنية، لكنها تتجاور في عمقها الشعوري، وفي انحيازها للإحساس بوصفه لغة أولى.
وتأتي هذه المشاركات ضمن سياق معرض «نبض 23»، الذي يواصل في دورته الثالثة والعشرين ترسيخ حضوره بوصفه منصة تحتفي بالتنوّع، وتمنح الفنانين والفنانات مساحة حرة للتجريب والبوح، مؤكدة قدرة الفن على جمع الرؤى المختلفة داخل فضاء إنساني واحد، ينبض بالاختلاف الخلّاق.
ويستمر المعرض الجماعي السنوي «نبض 23»، بتنظيم جماعة الفن التشكيلي بالقطيف، وبالشراكة مع نادي آرت سما للفنون البصرية وإدارة مشروع الرامس – إحدى وجهات أجدان العقارية – وبرعاية إعلامية من «القطيف اليوم»، وذلك في المركز الثقافي بمشروع الرامس في وسط العوامية، حيث يستقبل زوّاره يوميًا من الساعة 7 مساءً حتى 10 مساءً، حتى يوم الاثنين 2 رجب 1447هـ، مقدّمًا تجربة فنية مفتوحة تُنصت للنبض الداخلي وتحتفي بتعدّد الأصوات في المشهد التشكيلي.









