12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

قواسم لا تُرى في «وسط العوامية».. قراءة في أعمال فاطمة برزون وسكينة الشيخ ورقية آل سنان

تتلاقى ثلاثة أعمال فنية مشاركة في النسخة الثالثة والعشرين من المعرض الجماعي السنوي «نبض» عند قاسم إنساني واضح يتمثل في استدعاء الطفولة بوصفها حالة شعورية أولى، تتدرّج من الحركة والدهشة إلى السكون والطمأنينة، ضمن تجارب تشكيلية تختلف في الأسلوب والمعالجة، لكنها تلتقي عند جوهر واحد يراهن على البراءة والصدق الداخلي.

وتشارك في هذا المسار الفني كلٌّ من الفنانات فاطمة سعيد برزون، وسكينة محمد الشيخ، ورقية سلمان آل سنان، حيث قدّمن أعمالًا تنتمي إلى لغات بصرية متباينة، غير أنها تجتمع في تقديم الإنسان في حالته النقيّة، بعيدًا عن التعقيد والسرد المباشر، ومن خلال خطاب بصري يقدّم الإحساس قبل الفكرة.

وتقدّم الفنانة فاطمة سعيد برزون في عملها «مرح الطفولة» مشهدًا مفتوحًا على الحركة والانطلاق، حيث تحضر الطفولة كلحظة حرية خالصة. الطفلة الجارية برفقة الإوزة، بذراعيها الممدودتين وخطوتها الخفيفة، تستدعي اللعب بوصفه لغة أولى للتعبير عن الذات، فيما تسهم الألوان الدافئة والفضاء الواسع في ترسيخ إحساس الفرح والانفتاح، وكأن العالم في هذا المشهد لا يزال بلا قيود.

وعلى نحو مغاير، تذهب الفنانة سكينة محمد الشيخ إلى التقاط الطفولة من زاوية داخلية، عبر عمل يرتكز على ملامح الدهشة الأولى. الطفلة هنا ثابتة مكانيًا، لكن تعبير الوجه والعينين الواسعتين يحوّلان المشهد إلى لحظة اكتشاف خالصة، حيث تتحول الطفولة إلى حالة نفسية مكثّفة، ويغدو الانفعال الصامت أكثر حضورًا من الحركة. وتخدم المعالجة اللونية الحرة هذا التوجّه، مانحة اللوحة طابعًا شعوريًا أقرب إلى البوح.

من جهة أخرى، تأخذ الفنانة رقية سلمان آل سنان هذا المسار خطوة أعمق، منتقلة من الطفولة المرئية إلى الطفولة بوصفها حالة روحية. في عملها، تتلاشى الملامح ويغيب الوجه، ليبرز الجسد الساكن المحتضن لذاته، في مشهد يفيض بالطمأنينة والسكينة. البراءة هنا لا تُقدَّم كلحظة لعب أو دهشة، بل كحاجة إنسانية للأمان والاحتواء، حيث يتحول البياض واللون الترابي إلى لغة صمت وتأمّل، تفتح باب القراءة على مستويات وجدانية متعددة.

ويكشف هذا التلاقي بين الأعمال الثلاثة عن قاسم مشترك لا يقوم على وحدة الأسلوب أو التقنية، بل على الرؤية الإنسانية التي تتعامل مع الطفولة بوصفها جوهرًا شعوريًا يتبدّل شكله مع الزمن. فمن اللعب الجسدي، إلى الدهشة النفسية، وصولًا إلى السكينة الداخلية، تتشكّل الطفولة هنا كمسار بصري متدرّج، يؤكد أن البراءة لا تغيب، بل تعيد صياغة حضورها وفق التجربة الإنسانية.

وتأتي هذه المشاركات ضمن سياق معرض «نبض 23» الذي يواصل، في دورته الثالثة والعشرين، تقديم تجارب فنية متنوّعة تعكس ثراء المشهد التشكيلي المحلي، وتبرز قدرة الفن على جمع أصوات مختلفة تحت مظلة إنسانية واحدة، تُنصت للداخل وتحتفي بالاختلاف الخلّاق.

ويستمر المعرض الجماعي السنوي «نبض 23»، الذي تنظمه جماعة الفن التشكيلي بالقطيف بالشراكة مع نادي آرت سما للفنون البصرية وإدارة مشروع الرامس -إحدى وجهات أجدان العقارية- وبرعاية إعلامية من «القطيف اليوم»، في استقبال زوّاره يوميًا من الساعة 7 مساءً حتى 10 مساءً، في المركز الثقافي بمشروع الرامس بوسط العوامية، حتى يوم الاثنين 2 رجب 1447هـ، مقدّمًا تجربة فنية مفتوحة تُنصت للنبض الداخلي وتحتفي بتنوّع الرؤى الإنسانية.






error: المحتوي محمي