12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

في سيهات.. سوزان آل حمود تُغلق دفتر المدرسة بكشف «الكمال المزيّف»

بهدوءٍ يشبه وقار النهايات الجميلة، أعلنت الكاتبة والتربوية سوزان عبدالرزاق آل حمود من مدينة سيهات بمحافظة القطيف ختام مسيرتها المهنية التي امتدت 25 عامًا من العطاء والتفاني في ميدان التعليم، متنقلةً بين فصول الفيزياء وكواليس القيادة المدرسية، لتبدأ فصلاً جديدًا في حياتها عنوانه: “الكتابة من أجل الوعي والتغيير”، وفي لحظة بدت وكأنها مُعدّة بعناية، جاء إصدارها الجديد «الكمال المزيف» ليواكب هذا التحوّل، كتاب يعرّي الواقع، ويغوص في النفس، ويطرح الأسئلة التي لم يتجرأ الكثيرون على طرحها.

سوزان التي درّست الفيزياء لطلاب المرحلة الثانوية على مدى 15 سنة، وأمضت 10 سنوات أخرى في القيادة المدرسية، اختارت أن تُغلق دفتر المدرسة وهي أكثر امتلاءً بالحياة، لتفتح صفحة جديدة تتفرغ فيها للكتابة الإبداعية والأعمال التطوعية التوعوية، قائلة: «أتطلع بشغف للتفرغ الكامل للكتابة الإبداعية والأعمال التطوعية التوعوية، إيماناً مني بضرورة استثمار الخبرة في خدمة المجتمع وإثرائه معرفياً ووجدانياً».

الكتاب ليس رواية تقليدية، بل عمل فكري سردي يتنقل بين المقالة القصصية، والمونولوجات الوجدانية، والخواطر الناقدة، يعرّي فيه الإنسان من مثاليته المعلّبة، ويضعه في مواجهة نفسه، بكل هشاشتها، وتناقضاتها، وأقنعتها التي تلتصق به باسم الفضيلة أو المظهر أو “الكمال”. تقول سوزان في مقدمة الكتاب: «كتبتُ هذا العمل إيمانًا بأن الحقيقة، مهما كانت خشنة، أصدق وأطهر من كمالٍ لا يصمد أمام أول اختبار. هذا الكتاب دعوة للتأمل… لتخفيف الضوضاء… وللنظر إلى الداخل بشجاعة لا تحتاج إلى شهود». وهي بالفعل تفعل ذلك؛ تنزع الغطاء عن مفهوم “الكمال” كما تروّج له المجتمعات، وتستعرض نماذج حياتية تُجبرك على أن تسأل نفسك: هل أنا أعيش حقيقتي أم أرتدي نسخة معدّلة منها لأرضي الآخرين؟

غلاف «الكمال المزيف» بسيط في تصميمه، لكنه عميق في دلالته. الخلفية الرمادية توحي بالضبابية التي تحيط بمفاهيم الكمال، فيما تبرز وردة بيضاء شبه ذابلة، وكأنها كانت جميلة، لكنها لم تعد صامدة. العنوان مكتوب بخط خفيف مائل، يتوافق مع مضمون النص: لا شيء مستقيم تمامًا حين يتعلق الأمر بالإنسان. لا كمال إلا في التقبّل.

سوزان آل حمود ليست فقط كاتبة، بل مدرّبة محترفة، وخطيبة، وقيادية تركت أثرًا واسعًا في ميادين التعليم والتدريب والتطوير. فهي حاصلة على المركز الأول في جائزة التميز فئة المعلم المتميز، وتشغل منصب وكيلة لإحدى المدارس الثانوية، وهي معلمة فيزياء سابقة، ومدربة معتمدة من كلية كنغستون البريطانية، ومدربة لفن الحوار والخطابة والتعلم النشط واستراتيجية إنتل التعليمية، وعضوة فاعلة في منظمة Blosoms للدروس التعليمية العالمية، وقائدة Toastmasters منذ عام 2017، تقلّدت خلالها منصب رئيسة نادي “مناهل” ثم مديرة المنطقة 8، وأنهت خمسة مسارات قيادية في التوستماسترز.

وقدّمت سوزان برامج مميزة على مستوى المنطقة مثل «جسر المحبة» و«نلتقي لنرتقي» و«نحن بجانبك» و«عملي سر نجاحي»، كما قدمت محاضرات توعوية ومبادرات اجتماعية تركت صدى واضحًا في الميدان التربوي والمجتمعي. وفي المجال الأدبي، أصدرت العديد من الأعمال، من بينها «سباعيات قلمي» بجزأيه، و«آهات طليقة»، و«أجندة ممرضة»، و«أنين قلم»، و«لا أحد على ظهرها يُؤتمن»، و«ملهم الحب»، و«هتاف بلا إيقاع»، و«من شرفة الغيم»، و«رائحة عطره»، وأخيرًا «الكمال المزيف».

وتقول سوزان لـ «القطيف اليوم» عن نفسها: «إن أرضيناك فتحدث عنا… وإن لم نرضك فتحدث إلينا… وإن لم تستطع أن تشغل نفسك بفضيلة، فحاول أن تشغل نفسك بترك رذيلة… كُـن إيجابيًا».

تغلق سوزان آل حمود باب المؤسسة التعليمية، لكنها تفتح أبوابًا أوسع نحو المجتمع والوعي والكتابة الحرة. “الكمال المزيف” ليس نهاية كتاب، بل بداية مكاشفة، لا تحتاج إلى صفّ من المصفقين، بل إلى قارئ واحد يتجرأ على أن يرى نفسه في مرآة النص، وفي ذلك، تكون سوزان قد فعلت ما هو أبعد من التعليم: حرّرت السؤال من قفص الجواب الجاهز.



error: المحتوي محمي