المحير للجدل والمستغرب من البعض الذين ينتقدون الآخرين، أنهم ينتقدون غيرهم بعلم أو بغير علم، فقط ليريدوا الانتقاد وفتح باب للنقاش.
المقصود بالانتقاد هو عملية تقييم وإبداء الرأي حول عمل ما أو شخص ما، بهدف كشف العيوب والمحاسن لديه. لكن “الانتقاد” غالبًا ما يحمل دلالة سلبية تركز على الهجوم وتصيد الأخطاء في الآخرين وتقديمها بطريقة هدامة، على عكس “النقد البناء” الذي يهدف إلى التحسين ويقدم الحلول. والفرق بينهما أن النقد البناء يركز على العمل ويحترم الشخص، بينما الانتقاد السلبي يركز على الشخص نفسه ويؤدي إلى الإحباط.
وقد يكون المنتقد صاحب علم ومعرفة ودراية بالمجال الذي ينتقد فيه، كأن ينتقد شاعرٌ متمكن شاعرًا مبتدئًا، أو ينتقد معلّم القرآن قارئًا أخطأ في التجويد. وهذا النوع من النقد جيد إذا استُخدم بطريقة صحيحة لا تؤثر سلبًا على الشخص المُقدِم للعمل فتُحبطه أو تُخزيه. فالأسلوب مهم جدًا، ومراعاة الوقت والمكان كذلك. جميل أن يعطي الإنسان مما علمه الله عز وجل، والأجمل أن يكون متواضعًا غير متعالٍ ولا متكبر على الآخرين، فالعمل الصالح وإن كان صغيرًا يرفع قيمة الإنسان. وإن النقد البناء من أشخاص متمكنين في نفس المجال مفيد جدًا للتقدم والتعلم، خاصة لمن لديهم قابلية التعلّم ويتقبلون النقد. فالإنسان يشعر بغيره ويحس بمن حوله، وكثيرًا ما نرى بعض مقدمي الأعمال الثقافية أو الدينية يصيبهم الخوف والرهبة أمام الجمهور، وهذا أمر طبيعي خاصة في البدايات، ثم يتلاشى تدريجيًا حتى يمتلك الإنسان الجرأة ويختفي الخوف.
إن لكل إنسان وجهة نظر وذوقًا مختلفًا عن الآخرين، وقد يمتلك البعض حصيلة من الثقافات والعلوم والمعارف، لكنها قد تكون غير مكتملة أو غير ممتدة لمجالات أخرى، وهذا طبيعي جدًا. وعندما ننتقد الآخرين يجب أن يكون انتقادنا بناءً وإيجابيًا، قائمًا على أسس صحيحة ومصادر موثوقة، فلا ننتقد بلا علم أو بظنون. فالمسألة ليست حبًّا للانتقاد، لأن الانتقاد بذاته مُحبط للعمل. كما يجب أن يكون دوري كمتذوق للعمل هو التشجيع والتوجيه لمقدم العمل ليتخطى العقبات، لا الانتقاد العلني السلبي الذي يترك آثارًا محبطة.
لم يُخلق الإنسان عالمًا بكل شيء، وإنما هو متعلم يصيب ويخطئ، ثم يتطور مع الوقت ليصبح متقنًا. ولطالما سمعنا قرّاءً أو مؤذنين في المساجد عندهم بعض الأخطاء، فهل نحبطهم ونحرمهم الأجر؟ أم نشاركهم الأجر ونوجههم إن كنا أهل معرفة؟
في الختام
ما أجمل العمل المتقن، وما أجمل الكلمة الطيبة والأخلاق الرفيعة التي ترتقي بالإنسان وترفع شأنه وتعزز ثقته بنفسه بدلًا من أن تحبطه. وإني أتمنى من كل من ينتقد شخصًا يقدم عملًا تطوعًا وخالصًا لوجه الله عز وجل، أن يسأل نفسه: هل أنا قادر على أداء هذا العمل بشكل أفضل؟ وهل أمتلك الجرأة والإتقان اللذين يملكهما هذا الشخص؟
وفق الله الجميع لكل خير. وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.



