كتبت هذه الخاطرة في الطائرة. لولا هذا الاختراع العظيم - الطائرة - لكنا نلاقي تعبًا ومشقة في السفر. {مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَٰنُ}! طيران الطير في الهواء دون أن يسقط، والطائرة كذلك، تنتهي علته إليه سبحانه وتعالى فهو فهو السبب الأعلى الذي ينتهي إليه كل شيء. نرى طيران الطيور ومشينا على الأرض المنبسطة أمرًا طبيعيا لكن مرده كله لله سبحانه وتعالى ولا يتم إلا بإرادته.
ها هو العام ٢٠٢٥م يشارف على الانتهاء، بقي منه أقل من شهر! عندما نقول أن العمر مثل الظل يزول سريعًا فذلك مما لا شك فيه. أنا وأترابِي الذين كنا أطفالًا نلهو ونلعب قطعنا شوطًا في العمر أسرع من انتقال الظلّ وتحوله! لو سألتني: كيف مرت سنوات العشرين؟ أو الثلاثين، ثم الخمسين والستين؟ أقول لك: مرت وكأنها ومض برق! من الشعر المنسوب للإمام علي عليه السلام:
إِنَّما الدُنيا كَظِلٍ زائِلٍ * او كَضَيفٍ باتَ لَيلاً فَاِرتَحَل
أَو كَطيفٍ قَد يَراهُ نائِمٌ * اَو كَبَرقٍ لاحَ في أُفْقِ الأَمَل
إذا كان نوح عليه السلام وقد عمّر طويلاً لم يشعر بمرور السنوات، كيف بنا ونحن أعمارنا لا تصل إلى عُشر ما وصل إليه عمر نوح في أقصى مدى؟ ما السبعين والثمانين سنة عندما تقاس بأكثر من ألف سنة؟
ليس المهم طول العمر أو قصر العمر إنما ما يحتويه العمر فكم من كيس كبير مليء بالنفايات وكم من صندوق صغير فيه أغلى جواهر الألماس؟ فهم القوانين التي تحكم الحياة والعمر وأهمها خط سير الزمن الذي لا يعود للوراء يصنع المستقبل المشرق في الدنيا والآخرة. فإذا عرف الإنسان أن ما يمضي من العمر لا يعود فذلك أعظم ما يحثه على الانتفاع بما بقي.
ما أكثر الإنذارات والتوجيهات التي نشهدها في رحلة العمر؟ ضعف، قوة، ثم هبوط مرة أخرى إلى أرض الضعف والشيبة الذي لا عودة منه {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ}.
أين المشكلة إذن؟ المشكلة أننا ننسى أو نتناسى أن العمر ينتهي في حين غفلة ونغفل عن الظلّ الذي يتحرك من فوق رؤوسنا. نسرح ونمرح فإذا بمصيدة الأجل على حين غرة تصطادنا! إذن ما الحل؟
فاِقضوا مآرِبكم عُجَالاً إِنَّما * أَعمارُكُم سِفرٌ مِنَ الأَسفارِ
وَتَراكَضوا خَيلَ الشَبابِ وَبادِروا * إِن تُستَرَدَّ فَإِنَّهُنَّ عَواري
فالدهر يَخدَع بِالمني وَيغُصُّ إِن * هَنّا وَيَهدِمُ ما بَنى بِبوارِ
ها هي مضيفة الطائرة تقول: استعدوا للهبوط من جو السماء إلى الأرض، اربطوا أحزمتكم! انتهت الرحلة ونراكم في رحلة قادمة. كلّ رحلة سفر تعود إلا رحلة سفر العمر لا تعود. قمنا علـي الفور من مقاعدنا فرحين استعدادًا للهبوط. أما الرحلة الأخيرة - الحياة - فلا أحد إلا من ارتضى الله سبحانه وتعالى يفرح بنهايتها.



