12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

وجيفُ القلب

(...وأقسم بمن تقسم الأمم كلها به لقد قرأت هذه الخطبة منذ خمسين سنة و إلى الآن أكثر من ألف مرة ما قرأتها قط إلا و أحدثت عندي روعة و خوفا و عظة و أثرت في قلبي وجيبا و في أعضائي رعدة و لا تأملتها إلا و ذكرت الموتى من أهلي و أقاربي و أرباب ودي و خيلت في نفسي أني أنا ذلك الشخص الذي وصف عليه السلام حاله و كم قد قال الواعظون و الخطباء و الفصحاء في هذا المعنى و كم وقفت على ما قالوه و تكرر وقوفي عليه فلم أجد لشي‌ء منه مثل تأثير هذا الكلام في نفسي فإما أن يكون ذلك لعقيدتي في قائله أو كانت نية القائل صالحة و يقينه كان ثابتا و إخلاصه كان محضا...)

لقد أورد ابن أبي الحديد هذا المقطع في معرض شرح الخطبة رقم 216 بعد تلاوة أمير المؤمنين عليه السلام الآية الشريفة، وهي قوله عز وجل:

"أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ"

والحق أني قبل أن أقرأ تعليق الشارح، أصابني في نفسي ما أصاب الشارح، وكتبت تعليقًا على الحاشية أنه يجب أن تُقرأ هذه الخطبة عدة مرات، حتى يرق قلب الإنسان، وتتعظ بالموت روحه، ويعيش الحالة التي تُذَكِّرُ الله عز وجل، وتُوقِظُ روح الإنسان وضميره.

فلا يكون شغله الشاغل همَّ الدنيا ورفعتها فيها بأي وجه.

نعم، صيانة النفس والعرض والمال، وبناء النفس والكرامة، وحسن العشرة، وغيرها من مكارم الأخلاق مطلوب، بل هي مما أمر به الشارع المقدس، ولكن لا تكن هي الهمّ.

بل يجب أن يُنظر لها بأنها بعد مفارقة الروح لهذا الجسد لا تبقى إلا ذكرى عند الناس.

وأما هذا الجسد الذي حرص عليه الإنسان ونعَّمه في هذه الحياة، فما له إلا ما وصف عليّ عليه السلام عندما قال: "...فَكَمْ أَكَلَتِ اَلْأَرْضُ مِنْ عَزِيزِ جَسَدٍ وَ أَنِيقِ لَوْنٍ كَانَ فِي اَلدُّنْيَا غَذِيَّ تَرَفٍ وَ رَبِيبَ شَرَفٍ يَتَعَلَّلُ بِالسُّرُورِ فِي سَاعَةِ حُزْنِهِ وَ يَفْزَعُ إِلَى اَلسَّلْوَةِ إِنْ مُصِيبَةٌ نَزَلَتْ بِهِ ضَنّاً بِغَضَارَةِ عَيْشِهِ وَ شَحَاحَةً بِلَهْوِهِ وَ لَعِبِهِ فَبَيْنَا هُوَ يَضْحَكُ إِلَى اَلدُّنْيَا وَ تَضْحَكُ إِلَيْهِ فِي ظِلِّ عَيْشٍ غَفُولٍ إِذْ وَطِئَ اَلدَّهْرُ بِهِ حَسَكَهُ وَ نَقَضَتِ اَلْأَيَّامُ قُوَاهُ وَ نَظَرَتْ إِلَيْهِ اَلْحُتُوفُ مِنْ كَثَبٍ فَخَالَطَهُ بَثٌّ لاَ يَعْرِفُهُ..."

وليت شعري أين القلوب التي تفتح أبواب حجراتها لتستقبل هذه العظة، فتُسكنها إياها، لتكون لها مقرًا دائمًا، لينعكس ذلك على النظر والسلوك.

وقد قلت في هذا المعنى:

إِذَا مَا القَبرُ أَجلى عَن غِطَاءٍ    تَجَلَّى هَولُهُ لِلنَّاظِرِيْنَا

فَكَم أَكَلَ التُّرَابُ نَعِيمَ جِسمٍ   ​ وَأَبلَى مِنْ عِظَامٍ قَدْ بَلِينَا

وَأَنتَ إِذَا سَكَنتَ بُطُونَ تُربٍ    سَتَلْقَى مَا تُقَدِّمُ مِنْ سَنِينَا

تَزَيَّن بِالمَعَالِي وَاقتَفِيهَا​ وَلا تَنشُدْ سِوَى حَقٍّ مُبِينَا

فَإِنَّ المَوتَ أَبلَغُ مِن عِظَاتٍ    وَأَبقَى مِن حُرُوفِ القَائِلِينَا


error: المحتوي محمي