(كان مثل الساعة) هكذا كان يصفه أولاده وزملاؤه في عمله ، حبّه لعمله حبٌّ مُختلف بل هو العشق بذاته .
يبدأ يومه مع زقزقة العصافير، ينهض قبل أن تنهض الشمس من مخدعها.
نذر نفسه للنشاط، مجافيّا طرق الكسل .
لا يقعده حتّى المرض عن الذّهاب لمدرسته.
وفي عرف أسرته فشهرته ناطحت السّحاب في الالتزام بالواجبات الاجتماعية، وتاجسرت المهام الصعبة في طريقه .
لايملك زمام نفسه أمام زوجته أو أبنائه عندما يراهم يسهرون أمام شاشة التلفاز إلّا ونراه اعتلى منصّة الوعظ والإرشاد يتحدث عن السهر ومضاره فلا يخلد للنوم إلّا بعد أن أنهى وظيفته التخريبية في إفساد متعة إجازة نهاية الأسبوع.
هذا هو الأستاذ خالد معلم الرياضة البدنية في إحدى المدارس الإبتدائية ، صاحب الهمّة والنشاط هو اليوم يترجّل عن صهوة سنين العطاء التي بذل فيها أجمل سنوات عمره من أجل العمل المخلص، وإدخال البهجة والسرور على قلوب طلابه وزملائه في مدرسته .
خرج الأستاذ خالد من مدرسته بعد حفل كبير أقيم له بمناسبة تقاعده وحضره جميع مُحبيه ، لكنه كان حزينا على الرغم من مباهج الفرح التي أحاطت به من كلّ صوب .
بدأ الأستاذ خالد مسيرته التقاعدية دون أن يُخطط لأيّ عملٍ يقوم به بعد تقاعده.
في بداية مسيرته التقاعديّة انفتحت أمامه أبواب كثيرة، أطلّ منها على كنز مدفون في أعماقه أخذ يحادث نفسه بل يجادلها في كل عقبة خيالية تقف أمامه .
يبارز نفسه، يتأمّل قدراته، فيرى نفسه ماردا قويّا ، يناجي نفسه قائلا: سأذهب كلّ يوم صباحا للكورنيش وسألتقي بصحبة جديدة، سأقودهم في أداء التمارين الرياضية، سوف يكون لي باعًا عميقًا في تعليمهم فنون الرياضة المختلفة.
لن يهزمني التّقاعد !
وسوف أعتني بحديقتي التي أهملتها كثيرا سوف أجعلها حديقة غناء جميلة يقصدها جميع الناس وسأضع رسوما بسيطة لدخولها والاستمتاع بالتجوّل بين ممراتها المختلفة والجلوس عند نوافير المياه المتدفقة هنا وهناك، وبينما هو يسبح في أفكاره ويشرب كوب الشاي الذي بين يديه إذ انسكب عليه الشاي وأحرق يده وعندما أسرع لإسعاف نفسه انزلق على ظهره بسبب بقايا الشاي المنسكب على الأرض وتدحرج على الأرض واصطدم بالطاولة فشجّت جبته وانكسر كاحله .
فزعتْ له زوجته وهو يتألم وعندما أصبحت على قيد خطوات منه سألته عن مفتاح الباب حتى يستطيعان الخروج والذهاب للمستشفى لكنه لم يتذكّر أين وضع مفاتيح المنزل فصرخ : لقد ضاع المفتاح ، فطمأنته بوجود نسخة من المفاتيح عندها وأسرعت وأحضرتها في الحال .
ذهب الأستاذ خالد للمستشفى وهناك قُدّم له العلاج المناسب فشدّ على جبهته برباط شاشيّ وضُمد كسر كاحله وعندما انتهى الطبيب من تضميد جراحاته قام الأستاذ خالد مثل الأسد فقال له الطبيب : انتظر يا أستاذ لابد أن نحضر لك عكازا فأنت لا تستطيع المشي حاليا بدون عكاز !
لكنه صرخ في وجه الطبيب قائلا:
هذا هو الكفر بعينه أن تتجاهل نعمة الله، مازالت عندي رجل أخرى، أنا لا أستخدم عكازا ، مازلت فتيّا، دعه لك عندما تمرض فأنتم أجيال لاتعرف قوة الرجال .
وأراد أن يمشي بمفرده وبدون مساعدة أحد إلّا أن الألم أقعده مُجددا فسقط على الكرسي.
نظر الطبيب له وابتسم وقال :
لكنه وضع مؤقت أيها الوالد الحبيب.
فاستمع لكلام الطبيب، وعندما هم بالخروج مرة أخرى استعان بكتف زوجته وبالعكاز .
ودّع الأستاذ خالد طبيبه بعد أن سأله:
بعد كم سنة سوف تتقاعد ؟
ابتسم الطبيب فقال له :
المشوار طويل يا والدي!
غادر الأستاذ خالد العيادة ولكنه رجع بضع خطوات وأقفل الأنوار ثم أكمل طريقه.
شيعه الطبيب بنظرات حب وامتنان وهو يضحك ويقول: في حفظ الله أيّها الوالد .
ولكن ما أن سمعه الأستاذ خالد إلا عاد مرة أخرى وهو يصرخ في وجهه مرة أخرى:
( يا دكتور ماراح أسكت عنك وأنت تناديني بالوالد فأنا مثل أخيك الأكبر )
وأقفل الباب خلفه وترك الطبيب وهو غارق في الضحك .
المتقاعدون كنز مدفون فلنحاول إخراج أجمل مايمتلكون من خبرات سنواتهم الماضية، أعمارهم في الغالب أرقام لا شأن لها بنشاطهم، أو بأمنياتهم العالقة على قمم الجبال، فلا يزال عندهم حصّة مُدّخرة من العمل.
إنّ مواساتهم رحمة ، وكلمة حانية منك قد تسند قلوبهم، فرفقا بهم، فهم مختلفون عن المتقاعدين في الأجيال القديمة؛ لأنهم عاشوا الفترات الزمنية المختلفة فشهدوا الحداثة بأنواعها؛ وتقاعدهم ليس انطفاء لهم بل هو شعلة مضيئة في طريقنا، نستمد منهم الأمل والصبر ، والخبرة، بل نشعر بالأمان بجانبهم وهم يعتلون مراكز القيادة .
يقول الشاعر :
ها أنتَ تطوي من السنين دفاترًا
وتفتحُ العمرَ الجديدَ بدفترِ
كم شِدتَ في الأيامِ صرحَ فضيلةٍ
وعلّمتَ الأجيالَ معنى الجوهرِ
واليومُ جئتَ إلى الهدوءِ كأنّهُ
بابٌ يُطلُّ على اتساعٍ أخضَرِ
فتقاعدٌ ليس انطفاءً إنما
أفقٌ يضيءُ لمن أرادَ ليُبحِرِ
يكفيكَ أنَّكَ قد تركتَ بصمةً
تسمو… وتبقى ما بقيتَ وتُذكَرِ
قد تصادف في طريقك أحدهم ؛ قدّم له كلّ احترام وتقدير، استفد من مغزى سنواته الغابرة، عانقه عِناق النور للنور ، والحياة للحياة.
اجعل حياتك تقتات على حياة كان لها نصيب وافر من حب العمل والجدّ والالتزام، فحياتهم كانت بمنتهى الصلابة والوفاء بالعهد .
يبدأ يومه مع زقزقة العصافير، ينهض قبل أن تنهض الشمس من مخدعها.
نذر نفسه للنشاط، مجافيّا طرق الكسل .
لا يقعده حتّى المرض عن الذّهاب لمدرسته.
وفي عرف أسرته فشهرته ناطحت السّحاب في الالتزام بالواجبات الاجتماعية، وتاجسرت المهام الصعبة في طريقه .
لايملك زمام نفسه أمام زوجته أو أبنائه عندما يراهم يسهرون أمام شاشة التلفاز إلّا ونراه اعتلى منصّة الوعظ والإرشاد يتحدث عن السهر ومضاره فلا يخلد للنوم إلّا بعد أن أنهى وظيفته التخريبية في إفساد متعة إجازة نهاية الأسبوع.
هذا هو الأستاذ خالد معلم الرياضة البدنية في إحدى المدارس الإبتدائية ، صاحب الهمّة والنشاط هو اليوم يترجّل عن صهوة سنين العطاء التي بذل فيها أجمل سنوات عمره من أجل العمل المخلص، وإدخال البهجة والسرور على قلوب طلابه وزملائه في مدرسته .
خرج الأستاذ خالد من مدرسته بعد حفل كبير أقيم له بمناسبة تقاعده وحضره جميع مُحبيه ، لكنه كان حزينا على الرغم من مباهج الفرح التي أحاطت به من كلّ صوب .
بدأ الأستاذ خالد مسيرته التقاعدية دون أن يُخطط لأيّ عملٍ يقوم به بعد تقاعده.
في بداية مسيرته التقاعديّة انفتحت أمامه أبواب كثيرة، أطلّ منها على كنز مدفون في أعماقه أخذ يحادث نفسه بل يجادلها في كل عقبة خيالية تقف أمامه .
يبارز نفسه، يتأمّل قدراته، فيرى نفسه ماردا قويّا ، يناجي نفسه قائلا: سأذهب كلّ يوم صباحا للكورنيش وسألتقي بصحبة جديدة، سأقودهم في أداء التمارين الرياضية، سوف يكون لي باعًا عميقًا في تعليمهم فنون الرياضة المختلفة.
لن يهزمني التّقاعد !
وسوف أعتني بحديقتي التي أهملتها كثيرا سوف أجعلها حديقة غناء جميلة يقصدها جميع الناس وسأضع رسوما بسيطة لدخولها والاستمتاع بالتجوّل بين ممراتها المختلفة والجلوس عند نوافير المياه المتدفقة هنا وهناك، وبينما هو يسبح في أفكاره ويشرب كوب الشاي الذي بين يديه إذ انسكب عليه الشاي وأحرق يده وعندما أسرع لإسعاف نفسه انزلق على ظهره بسبب بقايا الشاي المنسكب على الأرض وتدحرج على الأرض واصطدم بالطاولة فشجّت جبته وانكسر كاحله .
فزعتْ له زوجته وهو يتألم وعندما أصبحت على قيد خطوات منه سألته عن مفتاح الباب حتى يستطيعان الخروج والذهاب للمستشفى لكنه لم يتذكّر أين وضع مفاتيح المنزل فصرخ : لقد ضاع المفتاح ، فطمأنته بوجود نسخة من المفاتيح عندها وأسرعت وأحضرتها في الحال .
ذهب الأستاذ خالد للمستشفى وهناك قُدّم له العلاج المناسب فشدّ على جبهته برباط شاشيّ وضُمد كسر كاحله وعندما انتهى الطبيب من تضميد جراحاته قام الأستاذ خالد مثل الأسد فقال له الطبيب : انتظر يا أستاذ لابد أن نحضر لك عكازا فأنت لا تستطيع المشي حاليا بدون عكاز !
لكنه صرخ في وجه الطبيب قائلا:
هذا هو الكفر بعينه أن تتجاهل نعمة الله، مازالت عندي رجل أخرى، أنا لا أستخدم عكازا ، مازلت فتيّا، دعه لك عندما تمرض فأنتم أجيال لاتعرف قوة الرجال .
وأراد أن يمشي بمفرده وبدون مساعدة أحد إلّا أن الألم أقعده مُجددا فسقط على الكرسي.
نظر الطبيب له وابتسم وقال :
لكنه وضع مؤقت أيها الوالد الحبيب.
فاستمع لكلام الطبيب، وعندما هم بالخروج مرة أخرى استعان بكتف زوجته وبالعكاز .
ودّع الأستاذ خالد طبيبه بعد أن سأله:
بعد كم سنة سوف تتقاعد ؟
ابتسم الطبيب فقال له :
المشوار طويل يا والدي!
غادر الأستاذ خالد العيادة ولكنه رجع بضع خطوات وأقفل الأنوار ثم أكمل طريقه.
شيعه الطبيب بنظرات حب وامتنان وهو يضحك ويقول: في حفظ الله أيّها الوالد .
ولكن ما أن سمعه الأستاذ خالد إلا عاد مرة أخرى وهو يصرخ في وجهه مرة أخرى:
( يا دكتور ماراح أسكت عنك وأنت تناديني بالوالد فأنا مثل أخيك الأكبر )
وأقفل الباب خلفه وترك الطبيب وهو غارق في الضحك .
المتقاعدون كنز مدفون فلنحاول إخراج أجمل مايمتلكون من خبرات سنواتهم الماضية، أعمارهم في الغالب أرقام لا شأن لها بنشاطهم، أو بأمنياتهم العالقة على قمم الجبال، فلا يزال عندهم حصّة مُدّخرة من العمل.
إنّ مواساتهم رحمة ، وكلمة حانية منك قد تسند قلوبهم، فرفقا بهم، فهم مختلفون عن المتقاعدين في الأجيال القديمة؛ لأنهم عاشوا الفترات الزمنية المختلفة فشهدوا الحداثة بأنواعها؛ وتقاعدهم ليس انطفاء لهم بل هو شعلة مضيئة في طريقنا، نستمد منهم الأمل والصبر ، والخبرة، بل نشعر بالأمان بجانبهم وهم يعتلون مراكز القيادة .
يقول الشاعر :
ها أنتَ تطوي من السنين دفاترًا
وتفتحُ العمرَ الجديدَ بدفترِ
كم شِدتَ في الأيامِ صرحَ فضيلةٍ
وعلّمتَ الأجيالَ معنى الجوهرِ
واليومُ جئتَ إلى الهدوءِ كأنّهُ
بابٌ يُطلُّ على اتساعٍ أخضَرِ
فتقاعدٌ ليس انطفاءً إنما
أفقٌ يضيءُ لمن أرادَ ليُبحِرِ
يكفيكَ أنَّكَ قد تركتَ بصمةً
تسمو… وتبقى ما بقيتَ وتُذكَرِ
قد تصادف في طريقك أحدهم ؛ قدّم له كلّ احترام وتقدير، استفد من مغزى سنواته الغابرة، عانقه عِناق النور للنور ، والحياة للحياة.
اجعل حياتك تقتات على حياة كان لها نصيب وافر من حب العمل والجدّ والالتزام، فحياتهم كانت بمنتهى الصلابة والوفاء بالعهد .



