إنَّ النَّفس إذا رامت ارتقاءً في مَعارج الفضلِ، لم تجد بلسمًا لأدوائها كبلسم الجُودِ والعطاءِ، فالإنفاقُ ليس مجردَ تبديلٍ للمالِ، بل هو قوامُ شرائعِ التَّكافلِ، وعمودُ خيمةِ المجتمعِ المتماسك، وقد وردت آيُ الذكرِ الحكيم لِتُرسِي لهذا العملِ الجليلِ ثلاثة أسسٍ عظيمة: الاستخلافَ، والرِّزقَ، والقَوامةَ.
أولاً: أُصولُ الاستخلافِ ووَداعةُ المَالِ
لقد أقام اللهُ سبحانه الإنفاق على ركن الوصاية والأمانة، لا على ركن المِلكيةِ المطلقة؛ إذ قالَ مُخاطِباً عبادَهُ: ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ .
إنَّ هذهِ الآيةَ تُنيرُ بصائرنا إلى حقيقةٍ جَوهريةٍ: أنَّ أزمَّةَ المال لا تملكُها الأيدي ملكاً صريحاً، بل هيَ ودائِعُ يُحاسبُ عليها الرَّاعي والمُستَخلَفُ.
فالعبدُ ما هوَ إلا خليفةٌ، والمالُ في يده عاريةٌ إلهيَّةٌ ومسؤولِيةٌ مُلزمةٌ.
والمنفقُ الحصيفُ هو الذي ينظر إلى درهمهِ وعينهِ كوديعةٍ، فينفِقُ منهُ ليؤدي حقَّ المستخلفِ الأعظمِ في ملكهِ، فتبرأُ ذمته ويزكو كسْبهُ، وينتقلُ الإنفاقُ من خانةِ المنَّةِ والبذلِ إلى خانةِ الواجبِ المُتَحَتّمِ على الأمينِ.
ثانياً: منبعُ الرزقِ والإمدادُ
تنبعُ فلسفةُ الإنفاقِ الإسلاميِّ من الإقرارِ المتجذِّرِ بأنَّ كلَّ ما يجري بهِ المددُ والنعمةُ هوَ رزقٌ محضٌ وفيضٌ إلهيٌّ، لا نتاجُ جهدٍ بشريٍّ مطلقٍ. ولهذا، جاءَ الأمرُ الربانيُّ مؤكِّداً هذا المنبعَ بقولِه تعالى في وصفِ المتقينَ: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾
إنَّ النصَّ هاهُنا يجعلُ الرزقَ متَّصِلاً بالمنفقِ لا منفصِلاً عنهُ، فجعلَ الفعلَ متَّجِهاً إلى الرزقِ المنسوبِ إليهم. والإنفاقُ في هذا السياقِ هوَ اعترافٌ صادقٌ بأنَّ يدَ المرءِ ليستْ هيَ المبدعَةُ للثروةِ، بل هيَ مَجرىً لفيضٍ إلهيٍّ تفضَّلَ بهِ الخالقُ. وحينما يُنفِقُ العبدُ ممّا رُزِقَ، فكأنَّما يُعيدُ جزءاً من الأمانةِ إلى مبعثِها، ويَجعلُ الشكرَ فعلاً لا قولاً، ويُبرهِنُ على أنَّ الغِنى لم يُبطِرْهُ، وأنَّه لا يَرى نفسَه مالِكاً، بل مُوزِّعاً لعطايا مولاهُ.
ثالثاً: مِنهاجُ القوامةِ والعدلُ في النفقةِ
إذا كانتْ المبادئُ الأولى تُحدِّدُ الأصلَ والمنبعَ للإنفاقِ، فإنَّ القاعدةَ الثالثةَ تُرسِي المنهاجَ والكيفيةَ المرجوَّةَ؛ إذ يتجلَّى كمالُ المنهجِ القرآنيِّ في دعوتِه إلى الوسَطِ المعتدلِ، فوصَفَ سبحانَه عبادَ الرحمنِ بقولِه: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانُوا بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾
فالقوامةُ في النفقةِ هيَ نفسُ العدلِ الذي لا يميلُ إلى جَورِ الإسرافِ المبدِّدِ، ولا إلى بُخلِ الإقتارِ المخَذِّلِ، فَـالإسرافُ إضرارٌ بالنفسِ، وجحودٌ للنعمةِ، وتعريضٌ للمالِ للتلفِ، وهوَ خروجٌ عن مَناطِ الاستخلافِ الرشيدِ.
والإقتارُ هوَ البخلُ المذمومُ الذي يَحبِسُ الحقَّ عن مستحقِّه، ويُميتُ وشائجَ التكافلِ، وهوَ نسيانٌ لأصلِ الرزقِ الممنوحِ.
والقوامَةُ هيَ المنزلةُ الوسطى التي تتَّزِنُ فيها الحاجةُ معَ الضرورةِ، وتُحقِّقُ نفعَ العبدِ في دنياهُ وآخرتِه؛ فهيَ الميزانُ الذي يَضمنُ نجاحَ المستخلَفِ في أداءِ وصايتِه، مصدوقاً في نيَّتِه، سديداً في إجرائِه.
ومن الشعر ما هو منسوبٌ لأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلامُ:
إِذا كُنتَ في نِعمَةٍ فارعَها فَإِنَّ الذُنوبَ تُزيلُ النِعَمْ
ختاماً، يتبيَّنُ لنا أنَّ الإنفاقَ في الإسلامِ ليسَ عملاً عرضياً، بل هوَ عبادةٌ مؤسَّسةٌ على حكمةٍ بالغةٍ ترعى مصدرَ المالِ (الرزق)، وصفةَ صاحبِه (الاستخلاف)، وكيفيةَ إخراجِه (القوامة والاعتدال)، وبتَحقيقِ هذهِ الأسسِ تتمُّ طهارةُ النفوسِ وتسودُ المودَّةُ بين الخلق، والاعتدالُ الأسري والاجتماعي.



