12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

كيف يصل القلب إلى باب لم يتوقع طرقه؟

أُفكّر في الطلاق
ثلاث كلمات تقال في لحظة امتلأ فيها القلب بما لا يطاق
تقولها امرأة تخفي رعشتها وتقولها أخرى بثبات يشبه التماسك لا القوة وتقولها ثالثة بعد أن بلغ الغضب حدًّا لا يحتمل… ثم يتضح لها أنّ الفكرة ليست نوبة انفعال إنما نتيجة تعب طويل تحاول أخيرًا أن تُسمعه أحدًا.

ازدادت حالات الطلاق في السنوات الأخيرة وارتفع الطلاق المبكر في العام الأول من الزواج.

تذكر الأبحاث في محيطنا الاجتماعي أنّ الأسباب كثيرة والتي منها الاختيار بلا روية، غياب التأهيل للمسؤوليات، تدخلات عائلية، ضغوط مالية، ضعف مهارات الحوار، صورة مثالية عن الزواج لا وجود لها على أرض الواقع إضافة إلى تأثير التقنية التي جعلت المقارنات حاضرة في كل لحظة غير أنّ جميع هذه الأسباب تحيط بسبب أخطر منها جميعًا وهو التسرع في اتخاذ القرار قبل فهم جذور المشكلة.

وقد لامست مقالات محلية جادة مثل حوار زكريا أبو سرير حول تفشي الطلاق في المجتمع جذور الأزمة بجرأة إذ طرحت أسئلة لم يألفها القارئ: متى وُلدت المشكلة؟ لدى أي طبقات اجتماعية تنتشر؟ ما أثر الفوارق في العمر والدين والمستوى المادي والثقافي؟ وكيف يشارك المجتمع كله — لا الأزواج وحدهم — في تقليص امتداد هذه الظاهرة؟ هذا النوع من الطرح فتح نافذة مهمة لفهم أنّ الأزمة هي تراكمات اجتماعية وثقافية واقتصادية تتشابك في عمق العلاقة الزوجية وليست حدثًا مفاجئا.

الدراسات المتخصصة تظهر أن نسبة كبيرة من الخلافات قابلة للحل عندما يتعامل الطرفان مع المشكلة بوضوح وهدوء وبدون تدخلات خارجية تشعل النار بدل أن تطفئها.

هناك بيوت لا ينقصها الحب وإنما ينقصها “كيف نتحدث ونتفهم؟”

وهناك خلافات تضخمت لأن لحظة واحدة مرت بلا حسن إصغاء وبلا كلمة تعيد ترتيب مشهد الفوضى فأحدث سيناريو التفكير في الإنفصال.

ومع ذلك، هناك واقع ينبغي الاعتراف به فهناك علاقات تنهك المرأة حتى آخر نبض، علاقة تقتل أحلامها وتؤذي احترامها ويتكرر فيها الأذى حتى لا يبقى من البيت إلا اسمه في هذه الحالات يكون خروجها حماية للروح فهو قرار إنقاذ لا قرار استسلام.

وقد أشار القرآن إلى هذا التوازن بوضوح:
﴿وَإِنْ أَرَادَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: 35]
الإصلاح خيار لمن يملك النية ولا معنى له عند من جفّ قلبه تمامًا.

الأطفال محور حساس في هذه القضية إذ توضح البحوث الميدانية أن الانفصال يترك أثرًا على القلق والطمأنينة والتحصيل الدراسي.

الطفل الذي يتنقل بين منزلين يحمل أسئلة أكبر من عمره ويحتاج إلى والدين متفاهمين أكثر مما يحتاج إلى والدين تحت سقف واحد.
ولذلك يكون قرار الانفصال مسؤولية كبرى لا رد فعل لكلمة قاسية.
وفي المقابل فإن تصوير الطلاق على أنه “طريق خلاص سريع” يضلل الكثيرات
فالحياة بعد الانفصال ليست دومًا أخفّ ولا ألين ولا أحن
فهناك مسؤوليات مالية وأدوار كانت موزعة على شخصين وأمور تظهر فجأة.
ولحظة يكتشف فيها الإنسان — بعد هدوء العاصفة — أن البداية من الصفر ليست سهلة
إذ تذهب السكرة… وتأتي الفكرة.
ومع هذا فمن الجور أن يقال لامرأة إن بقاءها واجب مهما كان الثمن
فهي الأعرف بقلبها
وهي الأقدر على معرفة إن كان البقاء يعيدها إلى الحياة… أو يسحب منها الحياة.
السؤال الحقيقي ليس “هل تتطلقين؟”
السؤال هو:
هل هذا خلاف يمكن إصلاحه… أم نزيف عميق يزداد يومًا بعد يوم؟
قبل اتخاذ القرار هناك أسئلة تحدد الطريق:
هل الحوار ما زال ممكنًا؟
هل الاحترام موجود أم خرج دون عودة؟
هل الأذى حادثة… أم عادة؟
هل الإصلاح يحتاج جهدًا… أم معجزة؟
هل فكرتِ في الصورة الكاملة لا في شجار الأمس فقط؟
بعض البيوت تنقذها كلمة صادقة ويأتي الفرج والإصلاح
وبعضها لا تنقذه كل كلمات العالم.
والفارق بينهما وضوح الرؤية
يا سيدتي…
قبل الخطوة الأخيرة اجلسي مع نفسك جلسة تامّة
وشاهدي القصة من يومها الأول لا من آخر خلاف وقع
فإن وجدتِ أنّ الخير موجود لكنه مغطى بغبار الأيام فالخير يزيل ويبدد غباره.
وإن اكتشفتِ أنّ الألم هو الأساس فالسلامة أغلى من كل علاقة.
تذكّري قوله تعالى
﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: 237]
هذا الفضل هو ما يجعل النهاية إنسانية حتى لو كانت موجعة
ويجعل الانفصال قرارًا حكيمًا لا ساحة صراع.
الطلاق باب مفتوح في الشريعة السمحاء والإصلاح باب مفتوح في القلوب الحكيمة وما بين البابين تقفين أنتِ لا أحد غيرك
وفي يديكِ حقّكِ في حياة كريمة… هادئة… واضحة… تشبهك أنتِ فقط


error: المحتوي محمي