ليت كلّ أشهر السنة عندنا - في القطيف - خريف وشتاء وربيع دون صيف! ما جاء الشتاء بعد لكن مع اعتدال الطقس وطول الليل وقصر ساعات النهار زان الأكل والنوم وطابت الحركة. شتاءنا خفيف لطيف، معتدل البرودة، ما فيه ما في بعض البلدان من البرودة الشديدة والثلوج والأمطار!
في النهار، منذ ساعة الفجر حتى وقت متأخر، ها هم الناس يمشون ويهرولون رجالًا ونساءً من مختلف الأعمار على شواطئ البحر. الصغار في إجازة مدرسية قصيرة ينشطون على دراجاتهم. بغض النظر عن الموسم، ينبغي على البالغين ممارسة ما يلزم من النشاط اليومي.
ثم لا يخلو شتاء القطيفيين من الأكل المحبوب. مع انخفاض درجات الحرارة، تزداد شهية الكثيرين للأكل وقد أظهرت الأبحاث أن الكثيرين يستهلكون سعرات حرارية أكثر خلال فصل الشتاء مقارنةً ببقية العام. عندما تنخفض درجة الحرارة، تسعى أجسامنا غريزيًا إلى الحصول على المزيد من الطاقة للحفاظ على درجة حرارتها الأساسية. يتجلى هذا غالبًا في اشتهاءٍ أقوى للأطعمة المريحة الغنية بالسعرات الحرارية، التي يمكن للجسم تحويلها بسرعة إلى دفء وطاقة.
أما سحر النوم في الشتاء فما من أصعب من مقاومة جاذبية السرير الدافئ في ليلةٍ مظلمة وباردة. أجسامنا تُوافق على ذلك كما تؤكد الأبحاث العلمية هذا التحول الموسمي في الراحة {وًمِنْ آيًاتِهِ مًنًامُكُم بِاللًّيْلِ وًالنًّهًارِ وًابْتِغًاؤُكُم مِّن فًضْلِهِ إِنًّ فِي ذًلِكً لًآيًاتٍ لِّقًوْمٍ يًسْمًعُونً}.
لا أزال أتذكر بعض أبيات من الشعر لشاعر غير معروف حفظتها في زمن الصبا، فيها يشكو الشاعر من طول ساعات الليل:
شكونا إلى أحبابنا طولَ ليلنا * فقالوا لنا ما أقصرَ الليل عندنا
وذاك لأن النوم يغشى عيونهم * سريعًا ولا يغشى لنا النومُ أعينا
إذا ما دنا الليلُ المضرُّ بذي الهوى * جزعنا وهم يستبشرون إذ دنا
فلو أنهم كانوا يلاقون مثلما * نلاقي لكانوا في المضاجعِ مثلنا
الحمد لله على العافية، بها يطيب كلّ شيء؛ الأكل والحركة والنوم. ينام المُعافى ويأكل ويستريح ويبقى المتوجع ينتظر الفجر وعندما يأتي الفجر لا شيء جديد سوى الوجع! هذه حكاية الإنسان يتقلب في فصول السنة وفصول العمر. ثمّ من يدري ماذا بعدها؟
وَلَو أَنّا إِذا مُتنا تُرِكنا * لَكانَ المَوتُ راحَةَ كُلِّ حَيِّ
وَلَكِنّا إِذا مُتنا بُعثِنا * وَنُسأَلُ بَعدَ ذا عَن كُلِ شَيءِّ
الجنة لا غير فيها طقس قال عنه الله سبحانه وتعالى: {مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ ۖ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا}. جالسون متكئين في الجنة على الأرائك لا شمسًا يتأذون بحرّها ولا زمهريراً يتأذون ببرده.
غاية المرام: أخي العزيز وأختي العزيزة، قم جدد نشاطكَ وتخلص من ثقل فصلِ الصيف. حرك جسدكَ ولا تنسى في الليالي الطويلة أن تجدد فكرك، أن تشتري كتابًا، أن تقرأ، أن تجلس مع صديق، أن تستمتع بهدوء السحر فإنّ الليل طويلٌ جدًّا!



