في كل مرة يرى فيها المرءُ أباه يتقدّم في العمر، عليه أن يدرك أن جزءًا من قوته يتلاشى، وأن الضعف بدأ يطرق بابه. وفي الوقت ذاته، يكبر الأبناء ويقوون، وكأن قوة الآباء تنتقل إليهم شيئًا فشيئًا… لذلك وجب الحذر من أن يتباهى الابن بقوته أمام ضعف أبيه، مهما شعر بأن هذا التفوق يداوي جراح طفولته أو يعوض ما تعرض له من قسوة.
قال أحمد بصوت هادئ وهو ينظر إلى مازن:
“هل كلامي واضح يا مازن؟ أرجوك أعد النظر في علاقتك مع أبيك. فهو الآن في مرحلة الضعف، ولا يملك من الدنيا إلا أنت. لا تنسَ فضله عليك؛ فقد أفنى عمره ليؤمن لك ولأمّك لقمة العيش. قساوة الحياة هي من جعلته قاسيًا أحيانًا… كان يفكر بك طوال الوقت.”
خفض مازن رأسه. كان يعلم أن كل كلمة يقولها أحمد هي الحقيقة التي يهرب منها.
فكر في حياته: كبر، وتعلّم، وتخرّج، ثم توظّف وتزوّج. والآن، بكل بساطة، يريد أن يترك أباه في دار العجزة بحجة الانشغال!
لم يستطع مازن الرد. كان ينظر إلى الباب المغلق حيث يقبع والده المسنّ، ذاك الرجل الذي لم يعرف من الدنيا إلا الكدّ والتعب والمرض. رجل أنهكته الأيام حتى انتهى به الحال جالسًا بين جدران دارٍ غريب عنه، لا يميّز الوجوه بسبب الزهايمر، ولا يعرف أن ابنه ما زال على قيد الحياة.
شعر مازن بارتعاش في يديه.
عقله كان يقاوم:
أحتاج وقتًا لعملي… أحتاج أن أعتني بأسرتي… أحتاج راحة بعد سنوات من تحمل المسؤوليات.
لكن قلبه كان يصرخ:
إنه أبوك!
أخرج منديلاً ومسح دموعه التي لم يستطع حبسها، وحاول إخفاء رجفة صوته بسعلة خفيفة ثم قال بصوت متهدّج:
“أنا أعرف يا أستاذ أحمد… والله فكرت كثيرًا. لكني… لم أستطع أن أنسى ما فعله أبي بي وأنا صغير. القسوة التي كنت أتلقاها جعلتني قاسيًا عليه دون أن أشعر. كلامك اليوم… حرّك شيئًا داخلي. لأول مرة… أشعر أنه أبي.”
انهار صوته، وبدأ يبكي بكاءً حارًا لم يعرفه منذ زمن طويل.
نهض، وتوجه نحو الغرفة حيث يجلس والده على كرسيه المتحرك.
ركع أمامه، تأمل عينيه وأخذ يده، قبّلها، قبّل قدميه، ثم احتضنه طويلًا وهو يهمس:
“سامحني يا أبتي… إن كنت لا تعرفني اليوم، فأنا أعرفك. ارفع رأسك… أنا ابنك، وأنا أحبك… ولن أتخلى عنك. بعد أن قضى الزهايمر على ذاكرتك، سأكون أنا ذاكرتك… وسأكون خادمك إلى آخر لحظة من حياتي.”
ثم أخذ مازن والده، وخرج به من دار العجزة بخطوات البر.
أما أحمد، فبقي واقفًا عند الباب، ينظر إليهما بعين امتلأت بالدموع، لعل تلك اللحظة هي أجمل قصة تروى فيها قصة البر والرحمه.



