لكلّ من يشتكي ويتألم، لا تشتكي. ألم الدنيا قصير ولستَ وحدك. مليارات البشر كلهم يشتكون من شيء ما! لا يغرنكَ الغنيّ المنعّم هو أيضًا يشتكي من شيء ما ولعلّ شكاية الغنيّ تفوق شكاية الفقير! إذا كنت تشتكي من المرض في العالم من هم أشدّ منك مرضًا وتعبًا. إذا أنت تشتكي من قلة المال في العالم ملايين أكثر فقرًا وعازةً منك. من أي شيء تشتكي، انظر حولك تجد من هو أعظم منك شكاية.
تَعَبُ كُلّها الحَياةُ فَما * أعْـجَبُ إلاّ مِنْ راغبٍ في ازْديادِ
إنّ حُزْناً في ساعةِ المَوْتِ * أضْعَافُ سُرُورٍ في ساعَةِ الميلادِ
أتذكر أن أمنا - رحمها الله تعالى - كانت تقول أحد الأمثال القديمة: "الدنيا ما فيها مستريح ولا أبو المليح". لا أعرف من يكون أبو المليح فلربما كان شخصيةً وهميةً وجاء اسمه متناسقًا مع مقدمة المثل لكنه يوضح أن الكل يشتكي من قلة الراحة. يقول الشاعر بدر شاكر السياب:
جميل هو الليل أصداء بوم
وأبواق سيارةٍ من بعيد
وآهاتُ مرضى، وأمّ تُعيد
أساطيرَ آبائها للوليد
وغابات ليل السُّهاد الغيوم
تُحجّبُ وجه السماء
وتجلوه تحت القمر
وإن صاح أيوبُ كان النداء:
لك الحمد يا رامياً بالقدر
ويا كاتباً، بعد ذاك، الشّفاء
{لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ}! صيف، خريف، شتاء، ربيع، ليل، نهار، راحة، تعب، الدنيا لا تبقى على حال وقلة الراحة فيها مؤكدة! حياة الإنسان مبنية على التعب والمشقة في شؤون حياته كلها فلا تجد شأناً من شؤون الحياة إلا وفيه تعب من أول يوم في حياة الإنسان وحتى يلحد في قبره. ومن يدري هل في اللحد الراحة أم الشقاء؟
الدنيا لا تصلح إلا بدواء الصبر. يقول الطبيب: خذ ملعقةً كبيرة من دواء الصبر مع كل وجبة. دواء يأخذه الغني الذي يسكن القصور الفخمة والفقير الذي يسكن مع عياله في غرفة واحدة. يأخذه الضعيف والقوي. "إنك إن صبرتَ جرت عليك المقادير وأنت مأجور، وإن جزعتَ جرت عليك المقادير وأنت مأزور".
من الأمور التي شاهدتُها في حياتي أن الفقيرَ ربما أصبح غنيًّا والغني فقيرًا! أنت القارئ الكريم والقارئة الكريمة لو نظرت من حولك لرأيت بعض الذين تعرفهم كانوا فقراء ثمّ استغنوا وآخرين كانوا أغنياء ثمّ صاروا فقراء!
هِيَ الأُمُورُ كَما شاهَدتُها دُوَلٌ * مَن سَرّهُ زَمَن ساءَتهُ أَزمانُ
وَهَذِهِ الدارُ لا تُبقي عَلى أَحَدٍ * وَلا يَدُومُ عَلى حالٍ لَها شانُ
أبو البقاء الرندي -
آية في القرآن الكريم يستريح ويطمئن لها قلب المؤمن: {فَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ}. متاع الدنيا يفنى وما يعطيه الله المؤمنين في الآخرة هو "خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ".



