12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

الغربة ما غربة وطن .. الغربة غربة زمن!

هل من الممكن أن نسافر عبر الزمن إلى الوراء بالطرق التقليدية وليس عبر آلة الزمن أو غير ذلك؟ سوف يكون ذلك رائعًا أن نعود شبانًا في مقتبل العمر أليس كذلك؟ 

ظهر يوم السبت، الخامس عشر من تشرين الثاني/نوفمبر ٢٠٢٥م، كان الطقس جميلًا. بعد تجوال قصير في أحد أماكن القطيف الرائعة جلسنا - أنا وابني محمد وزوجتي - في مقهى على مقعد بجانب النافذة التي تطل على البحر الهادئ. اشتهينا كوبًا من القهوة وقطعة كعك. في المكان مختلف الأعمار من الصبايا والصبيان. نظرت حولي فوجدت نفسي أكبر الحاضرين عمرًا وشعرت أن الزمن تغير عليّ كثيرًا. في صبانا لم نفعل أشياء كثيرة أصبحت اليوم معتادة! 

عمي والله الغربة ما غربة وطن، الغربة غربة عمر وسنين، الغربة غربة ساعة ويوم وسنة، غربة زمن يمشي وما يرجع، غربة عمر يركض ركض ما نعرف إلى أين!  

يقول القرآن الكريم في ذكر أصحاب الكهف: {وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا}! ناموا ثلاثمائة وتسع سنوات ثم بعد هذه المدة استيقظوا وقد تغيرت عليهم أمورٌ كثيرة حتى لم يكادوا يعرفونها! لماذا لم يذكر المكان؟ هل ذلك يعني أن الزمان أهمّ من المكان؟ الله أعلم!

هل أصبحت سرعة تغير الأمور أكبر الآن من ذلك الزمان، زمان أهل الكهف؟ بحيث ما كان يأخذ قرنًا من الزمن يتغير في عشر سنوات؟ هل سرعة دوران رحى الأيام هي المؤثر أم ما يحدث في الأيام؟

تعرف أيها القارئ الكريم والقارئة الكريمة أنك تستطيع أن تسافر وتعود في المكان، تذهب من بلدٍ إلى بلد وتعود، من بيت لآخر وتعود، لكنك لن تعود في العمر من الستين إلى الخمسين، أو من أي عمر أكثر لعمر أقلّ، دائمًا أنا وأنتم مسافرون في الزمان حتى يأذن الله سبحانه وتعالى بقانونٍ فيزيائي آخر!

هذه حكايتي، مثل حكايات كل الناس. نعدّ الليالي والليالي تعدّنا. نحنّ إلى ماضٍ من الزمان ذهبَ ولن يعود:

لا أَنتَ أَنتَ وَلا الدِيارُ دِيارُ
خَفَّ الهَوى وَتَوَلَّتِ الأَوطارُ
كانَت مُجاوَرَةُ الطُلولِ وَأَهلِها
زَمَناً عِذابَ الوِردِ فَهيَ بِحارُ
أَيّامَ تُدمي عَينَهُ تِلكَ الدُمى
فيها وَتَقمُرُ لُبَّهُ الأَقمارُ

يغير الناس عاداتهم وطباعهم. يتغير كل ما تعهده في الماضي. أظنّ لو أنّ والدي رحمه الله، أو أمي، اللذان توفيا منذ عشرات السنين عاد أحدهما إلى الحياة سوف يصيبه الذهول! 

أسوأ حالات تمني العود الممنوع حين يأسف الإنسان المشرك بالله سبحانه وتعالى ويطلب الرجوع للدنيا لكن هيهات هيهات: {حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ٱرْجِعُونِ * لَعَلِّيۤ أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا وَمِن وَرَآئِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ}.

أما المؤمن فلا يعود ولو أعطي ملء الأرض ذهبا! كيف يعود بعد أن رأى ما في الجنة من نعيم وراحة؟ جاء عن النبيّ محمد صلى الله عليه وآله: "شيئان يكرههما ابن آدم: يكره الموتَ والموت راحة للمؤمن من الفتنة، ويكره قلّةَ المال وقلّة المال أقلّ للحساب".


error: المحتوي محمي