سجلت الفنانة التشكيلية فاطمة حسن آل مسلم حضورًا بصريًا بارزًا في النسخة الرابعة من معرض «أبيض وأسود»، وقدّمت عملًا يتجاوز حدود اللوحة نحو عالم متخيل تتداخل فيه الرموز والعناصر التراثية والبيئية والخيالية في سرد بصري واحد، يفتح باب التأمل ويعيد تشكيل الرؤية من خلال الأبيض والأسود فقط.
وجاءت لوحتها محمّلة بملامح وجه أنثوي يتصدر المشهد، تمتد حوله عناصر متعددة كأنها حكايات صغيرة تعيش في ذاكرة المكان، حيث ظهر الحصان العربي بقوته ونُبله إلى جانب العين الواسعة، فيما تجمّعت الأسماك في أسفل العمل في حركة تشبه تدفّق الحياة اليومية، لتشكّل رمزية واضحة لارتباط الإنسان بالبحر وما يحمله من معانٍ وثقافات.
وبنت آل مسلم تكوينًا بصريًا معقدًا وغنيًا في الوقت نفسه، إذ تداخلت الأقواس والمباني القديمة مع الطيور والقوارب وانحناءات الوجه، في مشهد يجمع الماضي بالحاضر، ويستدعي ذاكرة القطيف البحرية والعمرانية في إطار واحد.
واعتمدت الفنانة على تدرجات الرمادي والظل الناعم لإبراز العمق، بينما منحت التفاصيل الدقيقة للملامح والأشكال حضورًا متوازنًا يثري اللوحة دون أن يثقلها.
وأظهرت الفنانة حسب قراءة «القطيف اليوم» قدرة لافتة على توظيف الأبيض والأسود لإحياء الرموز المتعددة في مساحة واحدة، فجاء توزيع الضوء والظل عاملًا رئيسًا في خلق حالة من الانسجام بين القوة والرهافة، وبين الواقع والحلم، وكأن العناصر تتقدم من طبقات مختلفة من الذاكرة نحو عين المتلقي بوضوح متدرج.
وتمكّنت آل مسلم من صياغة عمل قادر على أسر المشاهد منذ النظرة الأولى، إذ صنعت سردًا بصريًا متعدد الطبقات، تتعايش فيه الكائنات والتفاصيل والمعالم بانسجام، وتتحول اللوحة إلى فضاء تأملي يدعو القارئ إلى استكشاف علاقة الإنسان ببيئته وتراثه وهويته، في قراءة تُبرز بصمتها الفنية واتجاهها نحو أعمال تحمل عمقًا رمزيًا وإنسانيًا واضحًا.
واستقبل معرض «أبيض وأسود» هذا العمل ضمن فعالياته المقامة في المركز الثقافي بمشروع الرامس بوسط العوامية، إذ افتُتح مساء الخميس 22 جمادى الأولى 1447هـ بمشاركة أكثر من أربعين فنانًا وفنانة، قدموا أعمالًا تمتد بين الواقعية والتجريد والتعبيرية والطبيعة الصامتة والمنحوتات ضمن رؤية تحتفي بثنائية الضوء والظل وتعيد قراءة الجمال من خلال اللونين فقط.
ويتواصل المعرض حتى الإثنين 17 نوفمبر 2025م من الساعة 7 حتى 10 مساءً، في تجربة فنية تحفّز البصيرة وتحتفي بتنوع الرؤية وتمازج الأساليب في بيئة تشكيلية بصرية نابضة بالحياة.



