أعاد الحرفي القطيفي زكي الغراش تشكيل ذاكرة الفخار في مشهد حيّ امتلأ دفئًا وإيقاعًا، ضمن مشاركته في النسخة الثالثة من الأسبوع السعودي الدولي للحرف اليدوية «بنان» المقام في جامعة الأميرة نورة بنت عبد الرحمن بمدينة الرياض، حيث قدّم جناحًا يفيض بالأصالة، وورشة مفتوحة تحول الطين إلى لغة جمالية تروي حكاية الحرفة عبر الأجيال.
وأطلت أعماله الفخارية الممتدّة بين القِلل التقليدية والفوانيس المحفورة والآنية المنزلية، كتكوين بصري يستوحي روح القطيف، بينما تمازج وهج الإضاءة مع مسامات الطين ليمنح القطع حضورًا دافئًا يعيد تعريف العلاقة بين المادة والضوء.
وبدت الفوانيس المضيئة بفتحاتها الهندسية كأنها شواهد صغيرة على ذاكرة البيوت القديمة، وقد تحوّلت إلى أعمال فنية تنبض بالحياة.
ووقف الغراش في مقدمة جناحه أمام دولاب الخزف، ممسكًا بالطين كما لو أنه يعيد ترتيب العالم من حوله، ليقدّم مشاهد آنية لتشكيل الأواني على مرأى الزوّار. كانت يداه تتحركان بتركيز صبور، تدور وتضغط وترفع، في مشهد حيّ يكشف تفاصيل الحرفة من لحظة العجن وحتى التهذيب.
وقدم الغراش رؤية تجمع بين المهارة التقليدية وروح التطوير، مستثمرًا الحركة الدائرية للدولاب في بناء تكوينات تتدرج من البساطة إلى التفاصيل الدقيقة، بينما تتجاور القطع الصغيرة كالختم الطيني والأواني المصغرة مع الجرار الكبيرة، في توازن بصري يشبه نغمة هادئة تنتقل بين طبقات العمل دون أن تفقد إيقاعها.
وبرز في جناحه الانسجام بين السكون والحركة؛ إذ تقف القطع الجاهزة على الرفوف في هدوء تام، بينما يدور الطين على الدولاب في حركة مستمرة، وكأن الجناح يحكي دورة الحياة نفسها، من طين رطب يولد، إلى فخار متقن يثبت حضوره، وقد شكّلت هذه الثنائية مشهدًا يتيح للمتلقي فهم الحرفة بوصفها رحلة كاملة، لا مجرد منتج معروض.
وجاءت مشاركة الغرّاش في «بنان» متوائمة مع عام الحرف اليدوية 2025، لتؤكد دوره في صون تراث الفخار في القطيف وإعادة تقديمه بأسلوب معاصر، مستندًا إلى خبرة تراكمت عبر عقود من الممارسة والتعليم والتجريب.
ويُعد الغراش أحد أبرز الحرفيين الذين منحوا الفخار المحلي حضورًا في معارض المملكة والفعاليات التراثية، جامعًا بين العمل اليدوي الدقيق وتمثيل الهوية الثقافية في قالب بصري جميل.
وينتمي الغراش إلى بيئة ظلت تحتفظ بروح الفخار منذ مئات السنين، حيث حمل شغفه بالحرفة من الورش المحلية إلى فضاءات واسعة، مشاركًا في مهرجانات تراثية ومعارض وطنية، ومانحًا الطين دورًا يتجاوز حدود الاستخدام التقليدي ليصبح عنصرًا فنيًا يحمل قصة المكان.
وشهد معرض «بنان» هذا العام مشاركة واسعة تضم أكثر من 400 حرفي وحرفية من أكثر من 40 دولة، بينهم ضيف الشرف جمهورية الصين الشعبية، حيث تنوعت أعمال المشاركين بين النسيج والخشب والزجاج والمعادن والزخرفة، في مساحة تفاعلية تسمح للزوار بمشاهدة مراحل العمل مباشرة وحضور ورش تطبيقية وجلسات تثقيفية للحرفيين.
ويستقبل «بنان» زوّاره يوميًا حتى 26 نوفمبر، في تجربة بصرية تعيد قراءة الحرف بوصفها لغة مشتركة بين الشعوب، وتحتفي بما تمنحه اليد من قدرة على تحويل المادة إلى جمال، وهو ما كان حاضرًا بقوة عبر يد زكي الغراش التي حملت الطين ليصبح فنًا، وحملته معها إلى فضاء دولي رحب يحتفي بالحرفة ويمدّها نحو مستقبل جديد.






