أعادت الفنانة التشكيلية أفراح حسين خليفة الحساوي رسم ملامح الجمال في واحة فنية امتدت على جدران المركز الثقافي بمشروع الرامس في وسط العوامية بالقطيف، ضمن مشاركتها في معرض «أبيض وأسود»، حيث أطلت بلوحتها «الملكة المتوجة» بلغة بصرية تفيض أنوثة ورمزية.
وقدّمت من خلالها رؤية تجمع بين الأناقة والحس التعبيري، مستثمرة تدرجات الأبيض والأسود في بناء مشهد أنثوي يحتفي بالجمال بوصفه حالة داخلية تتجاوز حدود الشكل الظاهر.
وقدّمت الحساوي في لوحتها صورة امرأة تجلس في وضع جانبي هادئ، مرتدية ثوبًا تتناثر عليه زخارف زهرية دقيقة، بينما تميل بجسدها برفق وهي تحاول تثبيت قلادة تتدلّى على صدرها، في لحظة تتقاطع فيها الرهافة مع الاعتزاز، وتتشكل عبرها حالة وجدانية هادئة تحيي فكرة التجمّل بوصفه فعلًا يخرج من الداخل قبل أن يظهر على الملامح.
وعملت الفنانة على توظيف الخطوط اللينة وتكثيف الظلال المحيطة بالجسد لتمنحه حضورًا مرئيًا يتقاطع مع حضور الزخارف، إذ جاءت النقوش البيضاء فوق الخلفية الداكنة كمساحات ضوئية تُبرز نعومة الجسد وتدلل على حساسية اللحظة، فيما شكّلت الخطوط الهندسية المحيطة بالمرأة إطارًا بصريًا يشبه التاج، ليعزّز رمزية الجمال المتوّج ويمنح العنوان حضوره الفعلي في التكوين.
وأبرزت الحساوي في عملها قدرة واضحة على خلق توازن بين الحدة والليونة، حيث تحضر الخلفية الهادئة كعالم ساكن يسمح للأبيض والأسود بالتحاور، بينما تمتد الزخارف الدقيقة فوق الجسد كامتداد لمشاعر المرأة نفسها، فتبدو الزهور وكأنها جزء من كيانها وليست مجرد نقوش على الثوب، ما جعل العمل يفيض بالرمزية دون أن يتخلى عن واقعيته.
وأظهرت اللوحة انسجامًا بصريًا يجعل المتلقي يعيش لحظة خاصة مع بطلتها، إذ تبدو المرأة غارقة في دهشة هادئة وهي ترتدي قلادتها، وكأنها تتهيأ لطقس داخلي يعيد لها ثقتها ونورها، في مشهد يقدّم الجمال بوصفه إحساسًا أكثر منه مظهرًا، ويجعل من الأبيض والأسود لغة للتوهّج الداخلي وهدوء الروح.
وجاءت مشاركة أفراح الحساوي في معرض «أبيض وأسود» لتؤكد حضورها الفني المتنامي، إذ عُرفت بقدرتها على توظيف الزخرفة كجزء من السرد وليس كزينة هامشية، وعلى تقديم رؤية أنثوية تعبّر عن قوة التفاصيل وعمقها، مع الحفاظ على توازن بصري يمنح العمل رصانته وفرادته.
وتقف خلف هذا العمل الفنانة أفراح حسين خليفة الحساوي، ابنة مدينة سيهات بمحافظة القطيف، ومعلمة التربية الفنية التي حملت شغف الفن معها من قاعات الدرس إلى فضاءات المعارض، حيث إنها درست في جامعة الملك سعود بالرياض قبل أن تنطلق في مسيرتها التشكيلية، مشاركة في معارض داخل القطيف وخارجها وفي عدد من دول الخليج.
وتستوحي الحساوي رؤيتها من التجريد والتأثيرية والتكعيبية، مع ميل واضح إلى تبسيط الأشكال وتحويلها إلى رموز، فيما يبقى اللون الأبيض في أعمالها مساحة اختبار ودهشة، ولغة تُعيد عبرها قراءة الضوء والظل بطريقة تمنح لوحاتها حضورها الخاص.
وشهد المعرض الذي افتتح مساء الخميس 22 جمادى الأولى 1447هـ في المركز الثقافي بمشروع الرامس بوسط العوامية حضورًا متنوعًا لفنانين وفنانات ينتمون لمدارس فنية متعددة، قدّموا من خلالها أعمالًا تتراوح بين الواقعية والتجريد والتعبيرية والطبيعة الصامتة والمنحوتات، وكلها جاءت بتدرجات الأبيض والأسود وما بينهما، في مساحة تحتفي بالضوء حين يختفي، وبالظل حين يتكثّف.
ويتواصل المعرض حتى الإثنين 17 نوفمبر 2025م من الساعة 7 حتى 10 مساءً، في تجربة بصرية تستدعي التأمل وتعيد صياغة العلاقة بين الجمال الداخلي والنور، وتسمح للمشاهد برؤية العمل بعينٍ أخرى لا تكتفي بالمظهر بل تنصت إلى الروح.



