تتردد كلمة السّلام على الألسن ويربطها النّاس بالحرب دائما؛ لأنها نقيضها ومن هذا المنطلق لا يمكن أن نفصل السلام عن الحرب .
يقول القائد اللاتيني بوبليوس فلافيوس: «إذا أردت السلام فتهيأ للحرب».
ظاهر العبارة يتحدّث عن الحرب والسلام الدوليّ ؛ خاصة وأنّ قائلها قائدٌ عسكريّ غير أن هذه العبارة تحمل بُعدا فيلسوفيا عميقا، فليس من السهولة أن تحافظ أيّ دولة على قدسيّة أرضها دون أن تكون لها سلطة قويّة وعتادا ضخما؛ لذلك هي تتميز بالسيادة المطلقة والسلام الفعلي النابعين من قوتها .
هذا هو شأن الإنسان لايمكن أن يحمي نفسه من الحرب إلّا إذا كان قويّا؛ فإذا أردتَ السّلام فاستعدّ للحربِ بتجهيز نفسك تجهيزًا يليق بك ، بمعنى أنّ الإنسان الذي يُهْيَأُ جيشا قويّا لنفسه ، فيمتلك جاهزيّة مرتفعة من الكرامة والثّقة بالنفس، والقدرة على مجابهة الكلمات الجارحة يرهبه أشدّ أعداؤه ويُحْجِمُون عن مهاجمته اللفظيّة والفكريّة والفعليّة فيُؤدي ذلك إلى استمراريّة السّلام النفسيّ عنده والراحة التّامة.
هذا الإنسان ليس بحاجة إلى من يسانده أو إلى من يحتمي بجداره لأنّه يشكّل قوّة باكتفائه بنفسه، يُحسن قيادة نفسه وعائلته، يُخرج نفسه من المسالك الوعرة متى ما وُضع فيها. نظم ألف قافية في رثاء الذل والاستكانة ، وعزف ألف لحن في سرعة البديهة ، لسانه يثري السامع فلا يمتلك إلّا أن يصفّق له لأنه أبهره بطريقة أو بأخرى.
لذلك برزت الردود الحكيمة التي يغذيها العقل وفنون الكلام المنطقيّ المُستند على أكاديمية علميّة لا شأن لها بالصفوف الدراسيّة بل محورها الرئيس العقل وما حوى والبيئة وما أنتجتْ .
الاستعداد للحروب الاجتماعيّة هي الوسيلة الوحيدة للمحافظة على السلام .
لذلك كان المؤمن القويّ أحبّ إلى الله تعالى من المؤمن الضعيف.
والإنسان القوي له نمط حياتيّ خاص به له أفكاره الخاصّة وكلماته الساخرة والجادة التي تفضي إلى أهدافه النبيلة ، وتُميّزه عن الآخرين، فيسعى الجميع لتقليده لكنهم يعجزون عن التعبير بكلماته المعجميّة الخاصة به .
ولتقريب المعنى لذهن القارئ، سأروي حكاية سمعتها من صديقتي تقول فيها :
رأى شاب رجلاً عجوزاً منحني الظهر فسخر منه قائلاً: "بكم تبيع القوس؟"، فأجابه العجوز: "إن أطال الله عمرك سيأتيك بلا ثمن"
فإذا سمعتَ سهامَ كلماتٍ تجمهرت حولك فاستعد لحرب أصحابها، واجعلهم أشباحًا يتراقصون لأنّك سرعان ما سوف تقبرهم فهم في حقيقتهم ليسوا سوى وهمٍ أو ربما طائف سوف يجفل بدنه من عتادك الحربيّ .



