12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

تأملات في المغناطيس

عندما كنا صغارا نلعب بالمغناطيس, نستكشف عالما غريبا محيرا, هل كان ضربا من السحر؟ سالت اخي لماذا تتنافر هذه الاجسام المعدنية عند تشابه الأقطاب وتتجاذب عند اختلافهما؟ لم يكن يدور في خلدنا وقتئذ كيفية الوقوف بتامل على عالم متشعب الأركان كالمغناطيس. ولكيلا نتيه في دهاليزه المتفرعة, لزم علينا ان نسرد على وجه السرعة وبلا إسهاب ما قد يتبادر للذهن عند ذكره. سنبدأ بمحاولة الإجابة على هذا السؤال الملح: هل من ثمة تطابق وتلازم بين المغناطيس والجاذبية؟ بودي ان يكون "zoom" من خلال العدسة الفيزيائية بغية الدقة في توضيح الفرق بين المفهومين. 

ابتداء, فان الاختلاف الكبير بين أي كتلتين يحتم "انجذاب" الصغرى للكبرى, كانجذاب القمر للأرض والأرض للشمس. وأجلى مثال للجاذبية هو وقوعك انت في اسر "الجاذبية الأرضية" وعدم مقدرتك على الإفلات منها (فَانفُذُوا ۚ لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ). على الجهة الأخرى, يكمن تأثير المغناطيس حصرا في بعض المعادن كالحديد والنيكل. الان وبعد ان تبين لك الفرق بينها, سوف يتمحور حديثنا في هذه العجالة على المغناطيس ممزوجا ببعض الومضات عن الجاذبية.

أتذكر يوما عندما كنت جالسا القرفصاء على سطح القمر بينما أحدق في مهوى قلبي الأرض؟ رأيتها كرةً زرقاء هادئة تدور بسرعة هائلة, بينما يتقلب في باطنها كتلة نار (حمراء متوقدة) مصهورة من الحديد السائل, فيتخلق حقلا مغناطيسيا طبيعيا على وجه الأرض. بادرتني زوجتي بسؤال عن فوائد ذلكم المجال المغناطيسي, فأجبتها بانه (درع) يحمي سكان المعمورة من الرياح الشمسية الضارة. لكنها أضافت بل يتعداه الى هداية اجدادنا من خلال بوصلة (إبرة صغيرة مجبولة تُشير للشمال) في تتطابق مع المغناطيس الأرضي, فتأخذ بأيديهم الى سبيل الهداية والنجاة في ظلمات الليل وتبصرهم الطريق في أعماق البحار والصحاري والادغال. 

لماذا ترمق بطرفك يا بني باحثا عنه في كل ركن من زوايا حياتك اليومية؟ أوافقك الراي, فالمغناطيس قوة خفية تتراءى لنا في كل شيء، بدأ بأعماق الأرض وانتهاء بأصغر جسيمات الذرة. كما انه توجد النانو مغناطيسات، وهي بمثابة جسيمات صغيرة جدًا تمتلك مغناطيسية داخلية موجهة شمالًا وجنوبًا، لكنها (كما اثبتت التجارب) عندما تفتت الى جسيمات متناهية الصغر فإنها تفتقد قدرتها الذاتية على المغنطة (تنسى التمغنط)! وكنتيجة لذلك تغير إستقطابها بسرعة بفعل الحرارة، وهو ما يعرف "بالفوق مغناطيسية"، ولكن على العكس عند زيادة حجم الجسيم شيئا فشيئا (تتذكر التمغنط من جديد) وتعود الى حالتها المغناطيسية الاولى، ما يوضح العلاقة بين حجم الجسيم والطاقة المحيطة به في تحديد ميل ومقدار وكمية الثبات المغناطيسي الذاتي.

ماذا عن الكائنات الحية, هل لها أي اهتمامات مغناطيسية؟ لقد ادهشتني ابنتي بحديثها عن البكتيريا المغناطيسية. عندما قالت انها تحتوي داخل خلاياها على سلسلة من الجسيمات المغناطيسية الدقيقة التي تعمل كإبرة بوصلة حية توجهها نحو مناطق الأكسجين المناسبة. بقي ان لا ننسى التطرق للمغناطيس في الافق الذري الكمومي. هنا ينجب كل إلكترون حقلًا مغناطيسيًا صغيرًا نتيجة حركته حول النواة لكون شحنته سالبة، في الوقت الذي يضيف فيه السبين (spin) الكمومي دورانًا داخليًا يولد عزمًا مغناطيسيًا إضافيًا، بينما تتجمع هذه المغناطيسات الذرية في عناصر مثل الحديد والكوبالت والنيكل في اتجاه كمومي واحد. مما ينعكس إيجابا على مجمل قطعة المغناطيس, فيؤدي ذلك إلى ظهور هذا المغناطيس الملموس بين يديك على المستوى الواقعي.

لا تحاولي يا زوجتي ان تقنعيني بان المغناطيس موجود أيضا في داخل أجسامنا أيضا! نعم, حتى الإنسان يشتمل على مغناطيسية دقيقة، تنشأ من تداخل التيارات الكهربائية بين الخلايا العصبية والعضلية. نبضات القلب تنشأ حقلًا ضعيفًا (يمكن قياسه بأجهزة متقدمة)، بينما يسهم الحديد الموجود في الهيموغلوبين على تعزيز حضور هذه المغناطيسية. وبالطبع نصيب الأسد هو للماء الذي يشكل حوالي سبعين بالمئة من وزن الجسم لأنه يضيف دورًا مهمًا في المغنطة الحيوية من بوابة جزيئاته التي هي أساسا ثنائية القطبية الكهربائية. ومن المسلم به تلازميه وتوأمية التواجد الكهرومغناطيسي, لذا تتفاعل جزيئات الماء مع المجالات الكهربائية والمغناطيسية وبذا تستطيع ان تنسق انسيابية التيارات الكهربائية لجميع العمليات الحيوية في الخلايا والأنسجة اللازمة لاستمرار حياتك.

استدرك ولدي بقوله لا يمكن للفوتونات ان تتأثر بالمجالات المغناطيسية يا بابا لأنها جسيمات ضوئية فاقدة للشحنة الكهربائية. ضممته وانا أقول له احسنت يا بني, ولكنها قد تتأثر جزئيًا في الظروف القصوى، مثلما يحدث للنجوم النيوترونية أو المجالات المغناطيسية القوية جدًا، حيث يمكن أن يظهر مثل هكذا تأثير على استقطاب أو انكسار مسار الضوء. كما يمكن أن يتغير منحاه عند تفاعله مع الجسيمات المشحونة في الوسط المغناطيسي، ما يزيل اللبس عن أن تأثير المغناطيس على الضوء مرتكز فقط على الوسط المادي أو على القوى الكبيرة, حصرا. اما في البعد التكنولوجي "للتبريد المغناطيسي", فقد تنتظم الذرات في صف واحد، فينتج عنه قليل من الحرارة. ثم إذا أزلنا المجال المغناطيسي، تعود الذرات للفوضى وحال عودتها تمتص الحرارة من حولها، فبالنتيجة يبرد الوسط.

أتمنى ان يكون قد اتضح لك المطلب بعد مراجعة هذه التجليات المتعددة للمغناطيس, ممتدة من الذرة إلى الكواكب والضوء، وكيفية تحكم المغناطيس في الحركة والشحنة والحرارة والوسط والمحيط، واختلاف خصائصها حسب الحجم والطاقة، وتفاعلها مع الجاذبية على نطاق "الماكرو"، في الوقت الذي تتحكم فيه القوى الكهرومغناطسية بحركة الإلكترونات في الذرة. 

بقي ان ننظر للمغناطيس والجاذبية من زاوية معنوية إنسانية واقعية. المغناطيس القلبي والعقلي يتمثل في نيتك الحسنة، صدقك، واحسانك للناس. القيم الانسانية حين تصطف بداخلك في توجه لله، تصبح قوة الجذب فيك حقيقية. ولان الفطرة الإنسانية السليمة مجبولة على حب الفضائل, ستجد الناس يميلون بطبعهم وطبيعتهم وبدون أي جهد (بلا تكلف او تصنع) يميلون اليك ويلتصقون بك ويلتفون حولك، تماما كما ينجذب الحديد نحو المغناطيس دون جهد او اكراه. وعلى الجانب الآخر المعاكس تماما ﴿وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾. لقد فطن إبراهيم الخليل عليه السلام لذلك فقال: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾. تفكري يا أختي لما روي عن الإمام الصادق عليه السلام: "إنّكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم".

وفي بعد أعمق, هناك ثمة علاقة بين المغناطيس والجاذبية والحرارة تتمثل في فهمنا لما روي عن الامام الصادق عليه السلام: «إن لقتل الحسين عليه السلام حرارة في قلوب المؤمنين لا تبرد أبداً», وهذه الحرارة الفعلية يترجمها عشاق الحسين في صور متعددة. في حين ان من أجلى تلكم الحالات هي زيارته بانجذابية ومغناطيسة تعجز الالسن عن وصفها ويخرس البيان عن تبيانها ويتصاغر الادراك عن استيعابها.

نختم بأرقى حالات البحث عن المغناطيس الروحي الحقيقي, ندعوا وتدعون, اللهم بمحمد واله الطاهرين, نسألك بالعشاق الهائمين النادبين الذين فعلوا جاذبية ارواحهم, واختبروا صدق مغناطيس قلوبهم, في كل جمعة, احشرنا مع الصادقين منهم الذين يرددون بإخلاص "متى ترانا ونراك؟".


error: المحتوي محمي