12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

من زراعة النخيل إلى زراعة النور

كانت القطيف واحة خضراء، تغطيها سعفات النخل، وتُعطرها رطوبة العيون الجارية، وتُظلّلها خُضرة فاقعة للعين. فلاح ينحني على نخلته يشملها بعطفه وجهده، يسقيها من عرقه، ويصبر عليها حتى تُثمر رُطبًا كطيبته ولينا كقلبه. بستان يعرف بأسماء الرجال، يطمئن تحت وقع خطواتهم. البيت يبدأ بنخلة وينتهي عند نخلة، كأن الجذور تتعانق من تحتها في جوف التربة، كتعانق أرواح الجيران. مع وجود المياه الزرقاء العذبة التي كانت تنبع من باطن الأرض وقد حفرها الاجداد بجد وعناء بطرق بدائية شاقة ومضنية, مع توافر التربة الخصبة, انتشرت الزراعة وخاصة النخيل لتغطي المنطقة, تضمن الغذاء وتوفر الظل وتربي فيك معنى الولاء والراحة والجمال.

ثم أتى عهد الطاقة الهيدروكربونية, فتطلب استخراجها من طبقات التكوين الدنيا, إحلال الزيت بالماء ليتوازن الضغط ويستمر تدفق الطاقة. شيئا فشيئا نبضت العيون وجفت النخيل ومات معها جمال الطبيعة وفرغت سلة الغذاء. على الضفة الأخرى, زادت حاجتنا للطاقة عندما استبدلنا بالنور الصناعي نور الشمس المتخلل بين السعفات. وهكذا أمسى العالم اليوم يعاني من ازمة الطاقة وتبعاتها. تبعات الاستهلاك المفرط لمصادرها الطبيعية, قد تسبب سلبا في تخريب النظام البيئي على كامل ارجاء المعمورة مخلفا الفيضانات في مناطق, يقابله جفاف في مناطق أخرى, بالإضافة للأعاصير وشتى أنواع الكوارث الطبيعية (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت ايدي الناس).

يتبقى الامل فيكم يأبناني الشباب, فلا يزال ينبوع الفكر فيكم متقدا ينتظر من ينهل منه ويفعل المبادرات لمنفعة الناس قربة لله تعالى (واما ما ينفع الناس فيمكث في الارض). هذه الأرض، التي كانت يوما واحة خضراء، لا تقبل أن تتحول إلى مستهلكٍ صامت. روح القطيف كانت دائمًا وابدا منتجة، صابرة، معطاءة. كما كنا نزرع التمر لنأكله ونبيعه ونتبادل العطايا من جوده، نستطيع اليوم أن نزرع نور الشمس من خلال الاستثمار في الطاقة الشمسية (البديلة المتجددة) النظيفة (الصديقة) للبيئة. فالشمس في القطيف كريمة معطاءة قلما تغيب، تنشر كل يوم (مليارات الفوتونات) وآلاف الواطات من الطاقة فوق أسطح البيوت، تنتظر من يجمعها ويستثمرها, كما كنا نجمع الرطب في مواسم القطاف. بالأمس كان السعف يلامس السماء فينجب رطبا، واليوم لوحات الشمس ستمتد نحو السماء لتلد ضوءًا متجدّدًا مجانيا. البيت الذي كان يفتخر بمجلسه وبئره ونخله بالأمس، حق له اليوم أن يفتخر بسقفه الذي سيزرع النور ويبيع الطاقة وينمى المال.

لا اتحدث هنا عن حلم شاعري ولا عن تقنية جديدة, انظر من حولك فالعالم كله يستثمر في الطاقة الشمسية لعقود خلت. فقط ننتظر منكم التفعيل العملي, كل بيت في القطيف يمكن أن يكون مزرعة طاقة شمسية, كل ارض لم تبنى بعد, كل مخطط ينتظر التطوير, كل موقف سيارات يفتقر للتظليل. هاتيك نماذج متعددة, يمكنك ان تنتج ما تحتاج اليه ثم تبيع الفائض (كما كنا نخزن التمر ونوزع الفائض من خيراته)، عن طريق الربط الكهربائي المتبادل الذي يسمح للفائض بالعودة لشركة الكهرباء. وبالنتيجة سيرتفع رصيدك في البنك وسيرزقك الله من حيث لا تحتسب. هذا ليس استثمارًا في التقنية فقط، بل هو تجسيد لاستعادة روح الإنتاج والتصدير التي كادت ان تندثر بين اسمنت العمارات وازدحام السيارات. فحين يتحول السطح إلى حقل شمسي، يتشخص معنى الاكتفاء الذاتي المجتمعي، ويرجع معه الشعور بالبركة، وتصبح الكهرباء جزءًا من ثقافتنا في العطاء. نريد أن نُعيد للقطيف هويتها بالتقنية (الخضراء)، نستبدل الفأس بخلية شمسية، والسعف بسلك كهربائي، والثمرة بالواط. 

نعم هناك تحديات جمى, ونحن واثقون من انكم قادرون على مجابهتها. من المشاكل التقنية للطاقة الشمسية هي معضلة التخزين, اذن فلنمضي بدون بطاريات.  الغبار هو أحد أكبر الصعوبات, موجود انظمة متعددة للتنظيف كالروبوت والرولات والماء.  اما بالنسبة لارتفاع الحرارة عند سطح الشريحة والذي يقلل من الكفاءة, يمكن الاستفادة من الحلول المتاحة كالتبادل الحراري من أسفل الشريحة.  كما يواجه المصممون مشكلة زاوية التوجيه, وعليه تم استخدام الخلايا الدوارة والمتتبعة للأشعة.

احبتي, بسواعدكم سنبني مجتمعا نظيفا ومزدهرا, وسياتي اليوم الذي نقول فيه: امسينا أهل نخيل… فاصبحنا أهل نور.


error: المحتوي محمي