مرَّت الأيام، كبر محمد بين والدين كرّسا حياتهما له؛ وهما يهتمان به، ويُوفران له سُبل العيش الرغيد، ويُربيانه تربية صالحة، حتى أصبح شابًا، حريصًا على دراسته، مُجتهدًا لا يكل أو يمل، فتخرج من الجامعة مُهندسًا؛ ليلتحق بإحدى الشركات المرموقة.
وحين أراد الزواج، تقدم إلى خطبة امرأة؛ لتكون شريكة حياته، ورفيقة دربه، والتي أحبته بشغف كبير، وعاش معها أجمل أيام حياته، كطائر، يُمارس الطيران بأجنحتها البيضاء، وعنفوانها المُطل من عينيها، والتي تشع بالأمل والحياة؛ لامتزاجها بأنفاس روحها النقية.
زوجته، هي سارة، اليتيمة مُنذ صغرها، والتي تولت خالتها تربيتها، فوجدت في بيت محمد دفئًا عائليًا افتقدته طويلًا، اشتاقته مع دقائق يومها؛ ليُعوضها الله بوالديه، فقد أحبّوها كما لو كانت ابنتهم التي لم يُرزقوا بها.
أليس ما بعد الصبر فرجًا، سعادة يُعوضك الله بها عن أيامك البائسة، والتي عشتها يتيمًا، تأنس بنظرة عطف، تحتضنك، بابتسامة بريئة، تطبب آلامك، بحديث ملؤه الحنان، يسافر بروحك إلى حيث الطمأنينة، يمنحك الصبر الجميل على تحمل مشاق الحياة، ويرفع من عزيمتك، نافذتك التفاؤل، والطموح بوصلتك؛ لتعيش السعادة التي لا تجيء بالكسل والتبلد، ولكنها بالاجتهاد، والصبر معًا.
رزقه الله بأحمد، وذلك بعد سبع سنوات من زواجه؛ لأنه كان يُعاني صحيًا، ولكن الطبيب أخبره لا ييأس، هناك أمل بأن يُصبح أبًا، فاليأس، هو العجز الحقيقي، المُفضي إلى النهاية.
وبعد خمس سنوات، جاءت زينب؛ لتُضيء الأسرة، فانتابته السعادة الكبيرة؛ لقدومها، إنها تُشبه أمها، وكأنها هي، ولكن في ربيع طُفولتها، كبرا في ظل أسرة مُتحابة، يسودها الدفء.
ولم تكتمل هذه السعادة؛ لتُخيط من قماش البؤس حُزنًا، أفقدهم نبض الفرح، حيث أصيبت الأم بالسرطان دون سابق إنذار، فقد شعرت بألم، لم تستطع تحمله؛ فأخذها إلى المشفى، وحينها جاءت الصدمة، والتي نتجت عنها التحليل؛ بأنها مصابة به.
هل أحسست يومًا، كيف يتوقف الزمن في لحظة، عقاربه، تجمدت، لا نسمات، تهب، لا ماء، يتحرك، لا شيء في عينيك إلا وتعرض إلى اللا حركة، فلا يُمكنك عمل شيء، فقط قلبك، يتعلق بالله، تناديه؛ ليُفرج عنك.
يذكر هذه الكلمات الأخيرة، ونظراته البائسة، تُبصرني، ويربت على أصابعي، وكلي سُكون في حضرة الجرح، فقد تعلمت أن ألتزم الأدب في حضرة الجرح، وهذا ما قمت به، تاركًا له البوح؛ ليبوح.



