"النهار يشع بضياءه فناء المنزل، نوره البهي نسجته الشمس بعناية فائقة، قامت بنشره على الأغصان العلوية من شجرة السدر، فأنساب يتألق بين أسقف المنزل ونوافذه العلوية.
إنه يوم جديد، يوم ليس كأي يوم عابر على ديمة، نهار يطل على وجدانها فتنتشي فرحًا على مقاس أحلامها الدفينة، ليس بسبب صحتها التي تماثلت لها، وليس بسبب اعتدال الطقس المتفرد بنسماته الأريجية العبقة، ولا بسبب تناثر بقع الغيوم في السماء الزرقاء، وإنما هذا هو يوم وحيدتها، يوم فرحها المؤجل، يوم كانت تحسبه في دواخلها وفي أعماقها على مدى سنين طويله من عمرها .
كان الزمن خلاله يتسارع أحيانًا، ويبطئ الخطى أحيانًا أخرى، منذو فترة و دبمة تشخص خالتها العجوز، فهالها ما لاحظته عليها في الأيام الأخيرة ، تمشي متمايلة، والضيق ينفخ صدرها، تبصق الترياق الذي تضعه في فمها وتضعه في خرقة بالية. وسرعان ما تستبدلها بعد أن تمتلئ من عصارتها بخرقة بالية اخرى .
مشهد الخالة لا يحتاج كثير عناء لاقتناصه، حيث أنها في وضع لا يتناسب مع النسمات الباردة، حيث ينحدر من أعلى جبينها حبات من العرق، تسيل على وجهها المنهك، متخذة طريقها صوب صدرها النحيف، وتقف متكئة على الحائط لدقائق لاهثة النفس، وعندما تستريح تمضي في طريقها متصنعة الابتسامة.
كان الصمت يخيم على ديمة، كلما رأت خالتها مبتسمة والوجع يملأ كامل كيانها، وعندما حاولت التدقيق خلسة، لمحت وجهها الشاحب والشعر الأشيب المبعثر على جبينها، هيئ لها وكأنها فرع يابسًا من شجرة السدر هوى منتصبًا على الجدار فاقدًا القدرة على الحركة . جسدا مرهقا هزيلا يلفه ملفعا رقيقا وسروالا فاحم اللون ، وعينين ذابلتين يسكنهما وجعا عتيق . وتطل من كل نظرة بائسة حكاية مغموسة بطعم الملح ومرارة الحنظل .
فحاولت ديمة في البدء غض الطرف لكي لا تسبب لخالتها إحراجًا، ولكن في نفسها أشياء كثيرة تمنت لو نطقت بها !
كيف تنطق وهي تسمع أنين بنات خالتها؟ اللاتي كتمن وجعهن هذا اليوم كرامة لوحيدتها، التي أحببناها منذ ولادتها كما تحب الأمهات أطفالها، لذلك بقيتا دون شكوى، يعتصرهن الألم، ويتصنعن الفرح على قدر ما يستطعن فعله.
فمريم، التي تمكنت من التغلب نسبيًا على مشاعرها، تماسكت وأبدت فرحة مشوبة بظلال الحزن المكتوم. كانت تقبع في غرفة مع أختها زينب، التي أصبحت صحتها تتأرجح بين الموت والرجاء ، وبفضل التشجيع المستمر من أختها مريم حافظت بالا تنزلق إلى قاع سحيق فيتعذر الخروج منه ، أو تصبح لقمة سائغة يفترسها المرض بدون رحمة ،
زينب التي ابتلعت لسان الخديعة والمرارة من زوجها، لو كان في وسعها النطق في هذا اليوم العظيم لأطلقت زغرودة ولو باهتة، ولكن لسانها ضاع في ليلة المواجع الأليمة عندما صفعها على وجهها ، بسبب تافه ، حيث سقط من بين يديها صحن العشاء في ليلة ظلماء دون إرادة منها ، وقامت الدنيا ولم تقعد من طرف زوجها الذي ازبد وأرعد وهدّد وتوعد!
عندها اهتزت الأرض اهتزازًا مريعًا، وخرجت المسكينة مولية الأدبار غير مدركة إلى أين تسيقها اقدامها ، حينها كانت تضرب الارض بعنف كفرس فر من حضيرته ، حتى اهتدت إلى منزل والديها محطمة القوة، فاقدة رشدها، وأخذت تصفع وجهها بعنف، حتى أقعدها القدر في فراشها الأبدي.
حفر ذلك اليوم الأليم مخالبه في أعماق ديمة، مسببًا لها جرحًا عميقًا أصابها بالمزيد من المعاناة، فتلك الفتاة ليست ابنة خالتها وحسب، بل هي أقرب مخلوق إلى قلبها، ومخزن أسرارها، هي تلك الفتاة النقية، الشريفة، القادرة على إثارة الفرح بين أفراد الأسرة، والإنسانة المبادرة والمعلمة لبنات جيلها مبادئ القراءة والكتابة والجغرافية ، والمتمكنة من حفظ القرآن، وأجزاء كبيرة من كتاب المجموع والفخري، وديمة واحدة من اللواتي تمكن من قراءة القصص والروايات المتوفرة بسبب مساعدة زينب.
ورغم كل ما مر من أحداث جسام في حياة ديمة من فقدان والديها واختها وأخاها ، ومشاكل وعثرات، وزوابع أسرية، وأحزان لا نهاية لها، إلا أنها قررت أن يكون هذا اليوم، يومًا استثنائيًا، أرادت أن تصنع منه ما عجزت عن فعله طيلة سنوات.
لذلك حاولت الإصغاء إلى نفسها التي مالت إلى الهدوء، سألتها نفسها "تتساءلين يا ديمة في قرارتي عن هذا اليوم العظيم في حياتك، فماذا يمكنك فعله من أجل وحيدتك؟"
أجيبك يا ديمة "ها أنت قد استعدت قواك العقلية والجسدية، وبمقدورك العودة إلى سابق نشاطك، وأزاحة الحزن والكآبة عن نفسك، حتى إنك أصبحت قادرةً على بلسمة جراح من حولك قدر استطاعتك."
ولكن مهمتها الأساسية لهذا اليوم الوقوف بجانب وحيدتها في اجتياز ساعات الفرح، مرددة في داخلها هذا يوم عظيم، يوم تنال فيه وحيدةً استقلالها وتتمكن من بناء مستقبلها دون ضجيج، راجية أن تفتح لها الحياة أبواب الأمل.
قالت ديمة لنفسها والسعادة تغمرها "ستذهب وحيدة بعد قليل إلى (عين العياشي) مع صديقاتها وأقربائها، وفتيات الحارة للاغتسال وتهيئتها للزفة، سوف أراها في فستانها الأبيض كما جرت عليه العادة الجديدة التي دخلت المجتمع مؤخرًا.
هذا اليوم مخصص للفرح، للخروج من حالة التردد إلى حالة العمل، لابد وأن يكون يومًا له رائحة مميزة ونكهة مختلفة، العصافير ستفرد أجنحتها طربًا وشجرة السدر ستنحني احترامًا وربما سترتدي أغصانها بألوان زاهية من أوراقها الناعسة.
عندما اختمرت أفكارها وتوهجت المشاهد الحالمة لابنتها وحيدة، فزت والنشاط يملأ عروقها، مسندة خالتها برفق، مهدأة من روعها قائلة "حان الوقت يا خالة كي تستريحي، اليوم يوم عظيم، سأقوم بعمل المنزل كاملًا، سيكون الطبخ من نصيبي، وسأعمل كل ما كنتي تتمنينه، وسأرتب المنزل حسب رغبة ابنتي وحيدة ".
شقت ابتسامة صافية وجه خالتها، وانزاح قليلًا من الهم من على كاهلها، قائلة لها "كأنك يا ابنتي سترجعين إلى طبيعتك الجميلة التي كنتي عليها من قبل ، أن كان توقعي في محله ، فسيكون هذا فعلا يوما عظيما بالنسبة لنا جميعا "
يا خالة هذا يوم عظيم، هذا يوم وحيدتي، فلذة كبدي، أشعر أنني قادرة على فعل شيء مفيد لها ولكم، وأنت بالتحديد يا خالتي العزيزة التي وهبتيني جزءًا من حياتك ومن روحك الطيبة.
وتبعتها بطلب رقيق إلى خالتها التي بدأت أنفاسها تهدأ:
"إذا هيا تعالي ياخالتي الغالية معي لترتاحي، وأباشر أنا العمل، سيكون المنزل مهيئًا خلال ساعات قليلة، الحماس بدأ يدب في كل أوردتي وشراييني.
زغردت مريم بصوت مسموع، وتبعتها زغرودة صغيرة خافتة من زينب، بانت بعض الحيوية في وجه الخالة، وأبتسمت ابتسامة باهتة وهي تجر نفسها إلى غرفتها ذات الفرش المبعثرة ، مرددة بصوت مسموع "هذا يوم عظيم "
يتبع إلى الجزء الخامس"



